الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أوفق بين صورة القوة التي يراني الناس عليها، وبين ضعفي الداخلي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أكتب إليكم وأنا أبحث عن توجيهٍ وإرشادٍ يخرجني ممَّا أعيشه من تعبٍ نفسيٍّ مستمر، وحيرةٍ عميقة.

أنا مُعلِّم تربية إسلامية، أقضي وقتًا في تعليم الناس الخير، وظاهري أمام الناس يبدو قويًّا، ويعتمد عليَّ غيري في كثيرٍ من الأمور، ويشهد لي بالذكاء وحسن التدبير؛ ولكن الحقيقة المؤلمة أنني من الداخل متعبٌ جدًّا من الحياة، ولا أجد فيها متعةً ولا دافعيةً.

أخفي بداخلي مشاعر وأوجاعًا مؤلمةً تثقل كاهلي، ولكني أكتمها عن كل من حولي تمامًا، ومهما جاهدت نفسي واحتسبت، أجد أنني أُغلب في النهاية.

مشكلتي أنني عندما أتعرض لأي موقفٍ مزعجٍ بسيط، أشعر بأنني أنهار بسرعة، وأدخل في حالةٍ من الاكتئاب والتعب المفاجئ، ولا أجد ذلك الثبات أو القوة التي يظنها الناس فيَّ.

تعود الجذور الحقيقية لهذه المعاناة إلى تعرضي لعنفٍ أسريٍّ في مرحلة الطفولة، ممَّا ترك أثرًا عميقًا على جهازي العصبي، وجعلني أستجيب لأي ضغطٍ حاليٍّ برد فعلٍ كبيرٍ يشبه الصدمة القديمة.

لقد جربت سابقًا استخدام بعض الأدوية النفسية، مثل "السيروكسات" و"ديفليكس"، ولم ألحظ تحسنًا كبيرًا، وحاليًا لا تسمح ظروفي المادية بمراجعة عيادة طبيبٍ نفسيٍّ، وأشعر بثقلٍ هائل؛ لأنني سندٌ لغيري، بينما أنا منهارٌ من الداخل، ولا أجد من أتكئ عليه.

أرجو منكم إرشادي وتوجيهي:
• كيف أتعامل مع هذا التعب وفقدان الدافعية؟
• كيف أوفق بين صورة القوة التي يراها الناس فيَّ، وبين هذا الضعف والكتمان الذي يمزقني؟
• ما التوجيهات الشرعية والنفسية التي تعينني على استعادة السكينة والثبات الحقيقي؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ فادي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نُرحب بك -أخِي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال، والذي هو ليس غريبًا أو جديدًا علينا، فبعض الدعاة والمعلِّمين والمربِّين يُعانون من هذا، إذ قد يكون الشخص قادرًا على مواساة الآخرين ودعمهم وإلهامهم، ولكنه في داخله يحمل جراحًا قديمة لم تلتئم.

أخِي الفاضل، تذكَّر بأن المعلِّم -وأنت معلِّمٌ للتربية الإسلامية- لا يفقد قيمته لأنه يتألم، بل بالعكس، قد يصبح أكثر رحمة إذا واجه ألمه بصدق.

أخِي الفاضل، أنت تُعلِّم الناس التربية الدينية، لكنك أيضًا إنسان، والله لم يُكلِّف المعلِّمين أن يكونوا بلا جراح، فحتى الأنبياء أنفسهم عرفوا الحزن والخوف والألم، ولم يُنقص ذلك من إيمانهم ولا من رسالتهم.

قد تكون -أخِي الفاضل- اضطررت في طفولتك إلى إخفاء مشاعرك لتنجو من الضرب أو العنف، ولكن ما كان وسيلة للبقاء في الطفولة، قد لا يكون وسيلة للحياة في الرشد، ليس من الضروري أن تبقى ممثلًا لدور القوي دائمًا، وهناك عبارة جميلة تقول: «نحن لسنا أسارى لماضينا».

لا تجعل ابتسامتك أمام الناس تمنعك من أن تكون صادقًا مع نفسك، القوة ليست في إنكار الألم، بل في الاعتراف به والسعي إلى شفائه.

تذكَّر -أخِي الفاضل- أن علاج جراحك ليس عملاً أنانيًا، فالنبي ﷺ يقول: «إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّـا»، فعنايتك بنفسك هو جزء من أمانة رسالتك، فكلما ازداد قلبك تعافيًا، أصبحت رحمتك بالناس أعمق، وحكمتك في التعامل أصفى، وعطاؤك أكثر استدامة.

لا تخجل -أخِي الفاضل- من طلب المساعدة من شخص حكيم تطمئن له، أو معالج نفسي، ولا تحاسب نفسك لأنك فقدت الدافعية والشغف، فالعنف في الطفولة قد يترك آثارًا طويلة الأمد على الشعور بالأمان والحيوية والثقة بالنفس.

أخِي الفاضل، هذا ليس ضعفًا في الإيمان، بل أثرًا نفسيًا يحتاج إلى عناية، مع الإيمان والتوكل والأخذ بالأسباب.

ختاماً: اجعل لنفسك وقتًا لا تكون فيه واعظًا ولا مُعلِّمًا ولا مُربِّيًا، بل إنسانًا يقف بين يدي الله بكل ضعفه، ويقول كما قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}، فالشكوى إلى الله ليست ضعفًا، بل عبودية.

أخِي الفاضل، تذكَّر أن هناك ما يُسمى العلاج النفسي والإيماني، فالجراح التي لا نُعالجها قد تنتقل إلى مَن نخدمهم بطرق غير مباشرة، أمَّا الجراح التي نواجهها -وأنت هنا تواجهها من خلال كتابتك لنا- ثم نتعافى منها، فإنها تتحول إلى مصدر حكمة ورحمة.

فإذًا إذا استطعت الاستفادة مما ذكرته لك فنِعِمَّا بها، وإلَّا فلا مانع من أن تستشير أحد الأخصائيين النفسيين، والذي يمكن أن يعقد معك عدة جلسات لتساعدك على الخروج ممَّا أنت فيه.

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والسلامة والعافية.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً