الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتعامل مع زوجي وهو عصبي ولا يقدر جهودي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كيف حالكم جميعًا؟

لدي استشارة، وأرجو إفادتي فيها، زوجي رجل طيب، لكن عيبه أنه عصبي، وعندما يغضب يخطئ في حقي، وفي تربيتي. حدثت بيننا مشكلة بسبب أن ابنتنا في سن المراهقة، وقد أخطأت في حق أبيها، كما أن لديها بعض الكسل والاتكالية، فقال لي: "أنتِ لا تعرفين كيف تربين، ولا تهتمين بالأولاد، ودائمًا متمددة أنتِ وبناتك"، علمًا أن البيت مكوَّن من ثلاثة طوابق.

ويريد مني أن أقول له إنني تعبت من تربيتها، وأنه سيتولى تربيتها بنفسه، وأول عقاب سيفرضه عليها هو منعها من الدراسة.

وما زال يقول لي: "أنتِ لا تعملين شيئًا، فإذا مشيتِ قليلًا أو فعلتِ شيئًا جئتِ وأنتِ متعبة، ما الذي فعلتِه أصلًا حتى يعجبني؟"، مع أنني كنت قد أنجزت أعمال البيت وخرجت في مشوار على قدمي، وكل هذا وهو نائم في البيت.

أرجو إفادتي في كيفية التعامل مع هذا الأمر، وتقديم المشورة لي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Mohamid حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح ما بينكما، وأن يرزقكما السكينة وحسن العشرة، ويبارك في أولادكما، وبعد: فإن ما يقع بين الزوجين عند تربية الأبناء من اختلاف في وجهات النظر أمر شائع، خاصة إذا كانت الأسرة تمر بمرحلة المراهقة؛ فهي من أكثر المراحل التي تحتاج إلى صبر وحكمة من الأب والأم معًا.

ويظهر من رسالتك أن المشكلة ليست في ابنتكما وحدها، وإنما في طريقة إدارة الخلاف بينكما، فحين يغضب زوجك يوجه إليك عبارات جارحة، ويطعن في تربيتك، ويقلل من جهدك، وهذا مما لا ينبغي أن يكون بين الزوجين؛ لأن النقد إذا تحول إلى تجريح وإهانة أفسد الحوار، ولم يصلح المشكلة.

وفي المقابل، فإن رد ابنتك على أبيها بصورة غير لائقة يحتاج إلى معالجة أيضا؛ لأن بر الوالدين واحترامهما واجب، حتى لو أخطأ الوالدان في بعض التصرفات، ولا يخفاك أن الغضب مذهب للعقل؛ لذا ننصحك ألا تناقشي زوجك وهو في حال الغضب؛ لأن الإنسان في هذه الحال قد يقول ما لا يقصده، ويصعب الوصول معه إلى نتيجة، وانتظري حتى يهدأ، ثم تحدثي معه بهدوء، وابدئي بما تتفقان عليه، وهو أنكما تريدان مصلحة ابنتكما، وأن التربية مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية أحد الزوجين وحده.

وأخبريه بلطف أن الكلمات التي تمس شخصك أو تربيتك لا تساعد على حل المشكلة، وإنما تزيدها تعقيدًا، وأنك ترحبين بأي ملاحظة أو اقتراح عملي يعينكما على تربية الأبناء.

وأما طلبه أن يمنع ابنتكما من الدراسة، فلا نرى أن هذا عقوبة مناسبة؛ لأن التعليم من أهم مصالحها، والعقوبة ينبغي أن تكون مرتبطة بالخطأ، ومحققة للمصلحة، لا أن تضر بمستقبلها.

كما ننصح أن تجلسا مع ابنتكما بعد هدوء النفوس، وتوضحا لها أن رفع الصوت على والدها أمر غير مقبول، وأن احترام الوالدين لا يسقط عند وقوع الخلاف، مع الاستماع أيضًا إلى ما دفعها إلى هذا التصرف، فقد تكون هناك أمور تحتاج إلى احتواء قبل العقاب.

ولا تحاولي أن تدافعي عن نفسك في كل مرة يتهمك فيها بالتقصير، فالإكثار من الدفاع أثناء الغضب يزيد الخصومة، وإنما اجعلي أعمالك تتحدث عنك، فإذا هدأ فاذكري له بهدوء ما تقومين به في البيت، وما تبذلينه مع الأولاد، دون منة ولا خصومة.

واحرصا على أن تكون بينكما جلسة هادئة تتفقان فيها على أسس واضحة لتربية الأبناء، وما العقوبات المناسبة، وما حدود دور كل واحد منكما، فإن اتفاق الوالدين أمام الأبناء من أعظم أسباب نجاح التربية.

ودعينا نجمل ما مضى ونضع الوسائل العملية في التعامل معه في هذه النقاط:

- ابتعدي عن كل ما تعلمين أنه يثير غضبه ما استطعت، فدرء أسباب الخلاف خير من علاجها بعد وقوعها.
- لا تدافعي عن نفسك وهو غاضب، فإن الغضب يحجب حسن الاستماع، ويجعل الحوار يتحول إلى جدال.
- إذا أخطأ في حقك بكلمة، فلا تقابليها بمثلها، بل أجلي الحديث حتى يهدأ، ثم تكلمي بهدوء.
- اختاري الوقت المناسب للحوار، ولا تفتحي الموضوع وهو متعب أو منشغل أو منفعِل.

- إذا كان له ملاحظة في تربية الأبناء، فاطلبي منه أن يشارك في وضع حلول عملية، فالتربية مسؤولية مشتركة بين الأب والأم.
- اتفقي معه على أن تكون القرارات المتعلقة بالأبناء بعد التشاور، لا أثناء الغضب.
- لا تجعلي الخلاف بينكما أمام الأبناء، حتى لا يضعف احترامهم لأحد الوالدين، أو يشعروا أنهم طرف في النزاع.
- ذكري ابنتك بحق والدها، وأن الاعتذار إذا أخطأت خلق كريم، ولا ينقص من قدرها.

- إذا بدأ الحوار يتحول إلى تجريح أو إهانة، فأنهيه بأدب، وأجليه إلى وقت آخر.
- أكثرِي من الثناء على ما يحسن زوجك فعله، فإن الكلمة الطيبة تخفف كثيرًا من حدة النفوس.
- لا تحملي نفسك وحدك مسؤولية كل ما يقع في البيت، فنجاح التربية أو تعثرها لا يتحمله أحد الزوجين وحده.

- إذا لم تنجح محاولات الإصلاح بينكما، فلا مانع من الاستعانة برجل حكيم من أهله، أو من أقاربه، أو أصدقائه، ممن يحترمهم ويثق برأيهم، ليكلمه برفق، من غير أن يشعر أنك طلبت منه ذلك، حتى لا يتحول الإصلاح إلى سبب لمزيد من الحساسية.

- وإذا كان زوجك ينتفع بخطب الجمعة، أو دروس المسجد، فلا بأس أن تطلبي من إمام أو خطيب تثقين بحكمته أن يتناول -من غير تعيين ولا إشارة- موضوع حسن العشرة، والرفق بالزوجة، وأثر الكلمة الطيبة في استقرار الأسرة، فربما كانت الموعظة العامة أبلغ أثرًا من المواجهة المباشرة.

ثم أكثري من الدعاء له في ظهر الغيب، وسؤال الله أن يرزقه الحلم، وأن يؤلف بين قلبيكما، فإن القلوب بيد الله سبحانه، ونسأل الله أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يصلح ابنتكما، وأن يجعل بيتكم قائمًا على الرحمة والتعاون، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً