الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تأخر زواجي، فهل يمكن أن أصاحب شابًا بنية الزواج؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله.

أنا فتاة غير متزوجة، لم يأتِ نصيبي بسبب تشدد الأهل في شروط قبول الزوج، وأواجه صعوبة حالياً في مسألة عدم مصادقة الشباب، فأنا أعيش في مجتمع منفتح؛ فحين أصادف صداقة بين شاب وفتاة في الأماكن العامة، أشعر بأنه ينقصني شيء، وأن هذا الأمر ليس فيه عيب، أي مصادقة شاب بنية الزواج، والخروج معه للتعارف.

أرجو إرشادي؛ فأنا أجاهد هذه الفكرة وأضعف أمامها كثيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فتاة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.

أختي الفاضلة، ما تسألين عنه في غاية الأهمية، ومبادرتكِ بالسؤال تدل على وجود تردد وخوف من هذه الخطوة، وهذا يرتبط بجانب الحياء والدين والعُرف في المجتمع، لكن في المقابل، فإن الخوف من فوات فرصة الزواج وتقدم العمر، مع رؤية نماذج في المجتمع تمارس هذا السلوك، قد يدفعكِ للتفكير في التجربة، ويُشعركِ أن هذا الطريق ربما يكون الحل الأسرع، والأكثر فائدة وأن "هذا الأمر ليس فيه عيب".

أختي الكريمة، عندما شرع الإسلام الزواج ورغّب فيه، وضع له قواعد وضوابط واضحة، وجعل له مقاصد سامية ونتائج عظيمة، قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) فحفظ المجتمع من الفواحش، وصيانة الإنسان من اختلاط الأنساب، ورعاية كرامة المرأة وحفظ حيائها من عبث العابثين، كلها مقاصد شرعها الإسلام لتحمي الإنسان من لحظات الضعف، التي قد تدفعه وراء رغبات عابرة، فقد تنجرف المرأة خلف عاطفة الأمومة، أو أمنية تراها حلمًا، بينما قد يراها الطرف الآخر مجرد متعة عابرة، ولذلك جاء هذا التشريع حمايةً لكِ كامرأة، وصيانةً للمجتمع كله.

أختي الكريمة، جعل الإسلام الخِطبة مقدمةً للزواج، وهي الخطوة الأولى في هذا الطريق، وأعطى للخاطب حقه، فلا يجوز أن يُزاحَم في خطبته حتى يتركها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه)، والخطبة في حقيقتها وعدٌ غير ملزم بالزواج، فالمرأة تظل أجنبية عن الرجل، والهدف من الخِطبة التعارف العام وفق الضوابط الشرعية، ومعرفة أسباب القبول بين الطرفين، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- للمغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- عندما خطب فتاة: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)، أي أن النظر للمخطوبة أدعى لحدوث الألفة والمحبة بينكما.

في هذه المرحلة، يجوز للرجل أن يرى المرأة في حدود الضوابط الشرعية ليحصل القبول، لما لذلك من أثر في تحقيق الاستقرار النفسي والرضا، وهو ما يؤدي إلى المودة والألفة، فالإسلام حريص على بناء علاقة قائمة على السكن والمودة والرحمة، ولا معنى لزواج يخلو من هذه المعاني.

أختي الفاضلة، في هذه المرحلة يظهر الشاب الجاد، فيتقدم رسميًا إلى ولي الفتاة دون خجل أو تردد، ويصرح برغبته في الزواج والمصاهرة لهذه العائلة، فإذا حصل القبول، تبدأ فترة يمكن فيها –وفق الضوابط الشرعية– أن يتم التعارف، والسؤال عن حال الرجل ودينه واستقامته، وكذلك يتعرف هو إلى الفتاة، كما يمكن مناقشة تفاصيل الحياة الزوجية المستقبلية والأولويات، فإن حدث توافق في الأفكار، وانسجام في الأهداف، وميل عاطفي مشروع بين الطرفين، تم عقد القران، وإن لم يحصل التوافق، فلكل طرف الحق في إنهاء الخطبة دون التزام.

بهذه الطريقة يكون التعارف في الإسلام قائمًا على نية الزواج، فيتحقق المقصود وتُصان الأعراض، وتُحمى الفتاة من الوقوع في علاقات قد تندم عليها لاحقًا، كما يراعي الإسلام طبيعة النفس البشرية، ويحميها من اندفاع العاطفة والشهوة في لحظات الضعف.

أما التعارف الذي يسبق الخِطبة بقصد التعارف بشكل عام، ثم التفكير لاحقًا في الزواج، فهو باب شر عظيم للشهوات والمفاسد، ومن العادات المستوردة من مجتمعات لا تلتزم بضوابط الشريعة، ولا تعطي لعفاف المرأة وصيانتها قيمتها الحقيقية، فتبدأ الفتاة بعلاقات وصداقة مع الرجال، ومع الوقت تفقد شيئًا من حيائها، وتضعف حواجز الحشمة، حتى تتدرج في خطوات قد تقود إلى الخلوة والتجاوزات العاطفية، وربما تنازلات بدافع وعود الزواج.

والحوادث كثيرة للتجاوزات التي لا تُحمد عقباها، والرجال نفوسهم لا تستوي في الخير والشر، وسوء النية وحسنها، فمن يضمن السلامة في ذلك؟! لذلك طريق الخِطبة هو المشروع وهو الأسلم.

أختي الفاضلة، لا بد من التفكير بعقلانية وواقعية، مع استحضار مراقبة الله تعالى، فهذه العلاقات محرمة شرعًا، وخطوة من خطوات الشيطان، ونجاح بعضها لا يعني بالضرورة أنها قاعدة عامة، كما أنها تصطدم بالدين والأعراف.

أما مخاوف فوات الزواج أو تقدم العمر، فله حلول مشروعة، يمكن الاجتهاد فيها، ومنها:

أولًا: توعية من له تأثير على أسرتكِ بحرمة عضل الولي، ومنع الفتاة من الزواج إذا تقدم لها كفء، فذلك من الظلم والفساد وخيانة الأمانة، ويحق للفتاة إذا تقدم لها الرجل الصالح في دينه وأخلاقه أن تلجأ للقضاء ليزوجها، إذا منع الولي -سواء الأب أو غيره- زواجها.

ثانيًا: التواجد في البيئات الصالحة، كالمناسبات النسائية والمجالس الطيبة، كتحفيظ القرآن والمحاضرات ونحوها، ليُعرف عنكِ الخير والدين، فتُعرضين للزواج من خلال النساء، وليس في هذا عيب أو مخالفة شرعية.

ثالثًا: إخبار من تثقين بهن من قريباتكِ -كالعَمّات والخالات- برغبتك بالزواج، ليُعرّفن بكِ في البيوت الصالحة، بشكل مباشر أو غير مباشر، كما يمكن التعريض غير المباشر عند النساء القريبات من أي شاب صالح، يُعلم أنه يبحث عن فتاة في دائرتكن القريبة أو البعيدة.

رابعًا: بناء نفسكِ إيمانيًا وتربويًا ومهاريًا، والتميز في محيطكِ، فالرجال الصالحون يطلبون المرأة ذات الدين والأخلاق والطموح.

خامسًا: عدم المبالغة في الشروط، والاكتفاء بالدين والأخلاق أساسًا، وما زاد فهو خير.

سادساً: التوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، بأن ييسر أمر زواجك، وأن يرزقك الزوج الصالح، هذا كله مع التوكل الكامل على الله -سبحانه وتعالى- واليقين بأن ما يكتبه الله هو الخير بعينه، وإن لم يحصل كما نريد، فالله هو المقدر، وأقداره كلها حكمة، قد نعلمها وقد لا نعلمها، وعليك بقيام الليل، وبث حاجتك لمولاك، فهو يسمعك ويعلم حاجتك، قومي بين يديه لتنالي بركة هذا الوقت العظيم، يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدعوني، فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟) وكان بعض السلف يقوم في هذه الأوقات ويقول: (أنا، أنا، أنا) أي: أنا الذي أدعوك فاستجب لي، وأنا الذي أسألك فأعطني، وأنا الذي أستغفرك فاغفر لي، فعليك بملازمة القيام والدعاء والتوجه لله سبحانه، وستجدين الراحة والطمأنينة -بإذن الله-.

أختي الفاضلة، لا تجعلي هذه الرغبة تدفعكِ إلى ما يغضب الله، أو يوقعكِ في مخالفة شرعه، فالرجل الذي لا يخاف الله، قد يستغل هذا الاحتياج ويجعله نقطة ضعف، واعلمي -وفقكِ الله- أن هذا ابتلاء وامتحان، ويحتاج إلى صبر واحتساب، حتى يأتي الفرج من الله بما يفوق توقعاتكِ.

وفقكِ الله ويسر أمركِ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً