الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اكتشفت بعد الخطبة بخله وغروروه ومرضه فلم أعد أتقبله!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة ذات خلق ودين -والحمد لله- مخطوبة لشخص معروف عنه أنه ذو خلق ودين، عندما تقدّم لي في البداية، صليت صلاة الاستخارة، فتيسّر أمر الرؤية الشرعية، وتمّت بعدها بأيام قليلة الخطبة، لكن فيما بعد لاحظت تصرفات لم تعجبني، حيث إنه لا يستشيرني في أي أمر يخص علاقتنا، بل يقرر بنفسه، إضافةً إلى أنه يقارن علاقتنا بعلاقة قريبة لي مع خاطبها، وأصبحت أشعر أنه مغترّ بنفسه وبوظيفته، وفعلًا اكتشفت من خلال عدة مواقف أنه مغرور نوعًا ما.

كما أنني لم ألحظ عنه ما قيل لي من حسن الأخلاق، بل ظهرت أمور لم تكن كما أُخبرت عنه، واكتشفت أنه بخيل جدًّا وغير كريم، إضافةً إلى أنه أخفى عني أنه كان مريضًا وقد أجرى عملية جراحية، ولا أعلم حتى الآن هل شُفي تمامًا أم لا؟ وهل ما زال يتناول دواءً أم لا؟ وهل لهذا المرض أثر مستقبلي أم لا؟

في البداية لم أكن مرتاحة للأمر من الأساس، لكن عندما تيسّر الأمر بعد الاستخارة رضيت وقلت لعل فيه خيرًا، ولم أناقش في ذلك، لكن حاليًا أنا غير مرتاحة له إطلاقًا، ولا أستطيع تقبّله، وأشعر بانعدام القبول بيننا، مهما حاولتُ التكيّف لم أستطع، بل أصبح كشخص لا أشعر تجاهه بأي شيء، ولا أحس بوجود مودة أو رحمة بيننا.

حاليًا أنا غير مرتاحة إطلاقًا، لا أطيق محادثته، ولا حتى سماع صوته، ولا أرغب في رؤيته، ومجرد تخيّل أنني سأكون معه يُرعبني.

رجاءً: هل انعدام القبول وعدم الارتياح سبب كافٍ لفسخ الخطبة؟ وهل البخل سبب كافٍ لفسخ الخطبة؟

أرجو منكم الإجابة قبل اتخاذ قرار مصيري، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ شيماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير وأن يصلح الأحوال.

نحب بدايةً أن نؤكد أن القرار المصيري يحتاج إلى دراسة عميقة، ويحتاج إلى نظر في العواقب ومآلات الأمور، والبدائل المتاحة، ويحتاج أيضًا إلى أن نتأمل هذه الأشياء التي أحدثت النفور؛ هل هي أشياء مقدور على علاجها وتصحيحها؟

نحتاج أن نضع الرجل في ميزان كله إنصاف، ومن الإنصاف أن نجمع إيجابيات الإنسان ثم نضع إلى جوارها السلبيات، ونُذكِّر أنفسنا ونتَذكَّر أننا بشر والكمال عندنا محال، لا يمكن للفتاة أن تجد شابًا بلا عيوب، ولا يمكن للشاب أن يفوز بفتاة بلا نقائص، فنحن بشر والنقص يطاردنا.

فالواقعية في هذه الأمور مطلوبة، فإذا كنتِ قد أشرتِ إلى بعض السلبيات الموجودة فيه فما هي الإيجابيات؟ هذا معنى من المعاني المهمة التي تحتاجين فيها إلى تركيز، ثم ما هو رأي الأسرة، خاصة محارمك من الرجال في الشاب؟ فالرجال أعرف بالرجال.

أمَّا ما يحصل منه من تفاخر فدائمًا الخاطب يريد أن يظهر أنه بطل الدنيا، وكذلك المخطوبة أحيانًا تظهر ما ليس على الحقيقة، والصواب أن نكون واقعيين، يُدرك كل طرف أنه يتعامل مع بشر، عنده أخطاء وعنده إيجابيات، فما ينبغي للإنسان أن يحلم بورود بلا أشواك، ولا بثقافة المسلسلات التي تُبيِّن للناس وتخدع الناس بأن الحياة جميلة وردية رومانسية، والحياة لا تخلو من إشكالات، هذه طبيعة الدنيا من أولها إلى آخرها، وأحسن الشاعر (التهامي) فقال:
جُبِلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا *** صَفوًا مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا *** مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

ولذلك نحن لا نؤيد الاستعجال بفسخ الخطبة، ولا نؤيد الدخول لهذا المشروع قبل الاستخارة، والاستشارة ومشاورة الأهل، والنظر في البدائل المتاحة والفرص المتاحة أمامك، والنظر في الأمراض التي عنده، فليس من الضروري أن يظهر كل الأمراض، لكن الأمراض التي تؤثر على الحياة وتؤثر على مستقبلها، هذه التي ينبغي أن نتناقش حولها؛ ومع ذلك فإن هذه الابتلاءات التي تصيب الإنسان لن تتوقف أبدًا، ولذلك لا بد أن توضع في إطارها الشرعي إطارها المقبول.

أمَّا الأمراض التي قد يكون لها آثار سالبة في المستقبل واضحة بتقارير الأطباء؛ فهذه لا أقول سبب لفسخ الخطبة أو إيقاف العلاقة، ولكن من المهم أن تكون الصورة واضحة والرؤية واضحة أمامها، يعرف كل طرف مآلات الأمور وما يمكن أن تصل إليه، مع أنه قد يتعافى المريض، ويمرض المتعافي، أو السليم يصاب بالمرض.

ولذلك أكرر: القرار الصحيح هو القرار الذي يكون عن دراسة ومشاورة، واستخارة، ونظر في الأبعاد، ومآلات الأمور، وتأمل للفرص المتاحة، نحن في زمان قل أن يأتي فيه شاب بصفات عالية عنده دين ويطرق الباب، ونسأل الله أن يعينك على الخير، وأن يعينك على اتخاذ القرار الصحيح، وأنتِ بكل حال صاحبة قرار، كما أن الشاب صاحب قرار، ولكن الذي يهمنا أن تكون هناك دراسة شاملة.

وننصح الآن بتقوى الله وكثرة الدعاء لكِ ولنفسه، ثم بمشاورة أرحامك حتى يقيموا هذا الرجل لكِ تقييمًا كاملًا فالرجال أعرف بالرجال، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً