الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما هو سر تأثير القرآن الكريم وكونه سببًا للشفاء؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي باختصار: الله سبحانه وتعالى أودع في الأسباب خواصها وتأثيرها، ومعلومٌ لنا أن القرآن الكريم سببٌ للشفاء، فكيف يكون ذلك وهو كلام الله غير مخلوق؟
 
بصيغة أخرى: القرآن من صفاته أنه شفاء ورحمة، وصفاته غير مخلوقة، فكيف يُجري اللهُ القرآنَ مجرى الأسباب؟

الرجاء الرد لأن هذه المسألة قد أشكلت عليَّ كثيراً، وللعلم أنا أعاني من وساوس في العقيدة، فأرجو النصيحة، وشكراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى أن يُعجِّل لك بالعافية من داء الوسوسة ويُخلِّصك منها.

ونصيحتنا لك -أيها الحبيب- أن تأخذ بالأسباب التي بها تدفع هذه الوساوس عن نفسك؛ فالوساوس مرض يصيب الإنسان، والله تعالى شرع لنا أن نأخذ بالأسباب لمدافعة هذا المرض، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «نفرُّ من قدرِ اللهِ إلى قدرِ اللهِ».

الوساوس ينبغي أن تُدفع بالتداوي، والدواء منها نوعان:

النوع الأول: الدواء الحسي البدني، وذلك باستشارة الأطباء النفسيين، الذين قد يصفون لك من الأدوية ما يعيد لجسدك اعتداله وتصحيح مزاجه.

وأمَّا النوع الثاني: فهو الدواء الروحي الشرعي، وهو الدواء القالع للوسوسة -بإذن الله تعالى-، فقد لخصه الرسول الكريم ﷺ في ثلاث خطوات:

- أولها: الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم حينما تداهمك الأفكار الوسواسية.
- وثانيها -وهو أهمُّها-: الإقلاع عن التفاعل مع هذه الوساوس، التجاهل الكامل لها وتحقيرها وعدم الاشتغال بها، فهذا الدواء يقلع هذه الوسوسة من جذورها.

ولذلك نحن ننصحك بألَّا تتفاعل مع الوساوس ولا تبحث عن إجابات لأسئلتها، ويبدو لنا أن هذا السؤال الذي وضعته في هذه الاستشارة، هو واحد من هذه الأسئلة التي تفرضها عليك هذه الوساوس؛ فنصيحتنا لك هي الإعراض الكامل عن الوساوس وأسئلتها.

بحثُك عن إجابات لأسئلتها هو في الحقيقة تقوية لهذه الوساوس وتعزيز لوجودها، وهذا لن يزيدك إلا ضنكًا وضيقًا وشقاءً، فالخير كل الخير في اتباع ما أرشد إليه الرسول الكريم ﷺ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ».

فجاهد نفسك على تجاهل هذه الوساوس والانصراف عنها؛ بحيث تشغل نفسك بموضوع آخر غير موضوعها، أي شيء فيه نفع لك في دينك أو في دنياك، وإذا صبرت على هذا السلوك فإنك ستتخلص من هذه الوساوس قريبًا -إن شاء الله تعالى-.

- والجزء الثالث من هذا الدواء النبوي هو: التحصُّن بذكر الله تعالى، فداوم على ذكر الله، ولازم ذكره؛ فإنه حصن حصين يتحصن به الإنسان من الشيطان.

نحن على ثقة تامة -أيها الحبيب- من أنك إذا فعلت هذه الخطوات ستتخلص -بإذن الله تعالى- من الوسوسة، نرجو الله أن يخلصك من شرها.

وأمَّا بخصوص هذا السؤال ما دمت قد طرحته فنقول -أيها الحبيب-: إن سرّ تأثير القرآن وكونه سببًا للشفاء هو كونه كلام الله تعالى، فأنت مستشكل لماذا يفيد وهو كلام الله؟ ونحن نقول: إنما أفاد لأنه كلام الله، فكلام الله -سبحانه وتعالى- لا يقاومه شيء فكيف تقاومه الأمراض؟

وننقل لك هنا كلماتٍ يسيرة من كلام الأطباء الذين اشتغلوا بالطب النبوي، ومنهم الإمام ابن القيم -رحمه الله-، فقد قال في كتابه "زاد المعاد": "وَكَيْفَ تُقَاوِمُ الْأَدْوَاءُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ لَصَدَّعَهَا أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَقَطَّعَهَا؟".

فهذه الكلمات اليسيرة -أيها الحبيب- تُبيِّن لك حقيقة تأثير القرآن، فهو إنما يُؤثِّر لأنه كلام الله تعالى، ولكن هذا التأثير لا يحصل إلَّا بتحقق شروط، من حيث اعتقاد الإنسان وتصديقه الجازم، ومن حيث صلاحية هذا المحل لنزول هذا القرآن؛ فهو شفاء كما أخبر الله تعالى، وهو كلام الله تعالى غير مخلوق كما تفضلت في سؤالك، وأصبت بذلك المعتقد الصحيح لأهل السنة، أن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو إنما يُؤثِّر لأنه كلام الله.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً