الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بضيق بسبب دخول أمي علي وأنا أشاهد القبائح!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاب عمري 31 عاماً، ملتزم منذ بلوغي، وأصررت على ألا أمس امرأة لا تحل لي، بل وتهربت من عدد لا أستطيع إحصاءه من الفتيات والنساء اللائي حاولن إغوائي.

حدثت مني بعض التجاوزات، ولا أبرئ نفسي، لكن لم يحدث مني زنا قط بتعريفه الشرعي بفضل الله تعالى، وأنا للمعلومة قوي الخلقة؛ لأن جينات أسرتي تنتج رجالاً أقوياء، وشهوتي للنساء كبيرة، ويزداد أثرها عليَّ لحرصي الشديد على تفادي الزنا.

الذي يؤلمني أنني لم أحتلم قط في حياتي عبر الأحلام المعهودة للشباب؛ أي أنني لم أمس امرأة ولا حتى في أحلامي؛ دفعني ذلك إلى مشاهدة الأفلام القبيحة، ووالله إني لأكرهها وأكره نفسي بعد كل مشاهدة لهذه القبائح.

قبل عدة أيام كنت أشاهد مقطعاً في غرفتي، وسبحان الله، لم أتأكد من إحكام قفل الباب، فجاءت أمي فجأة ودفعت الباب بعفوية، ولا أظن أنها شاهدت ما على شاشة هاتفي بالضبط، لكنني متأكد من أنها علمت أنني كنت أشاهد شيئاً فاحشاً.

أغلقت هي الباب بسرعة وانسحبت، وتعاملت معي بعد ذلك بشكل طبيعي لدماثة خلقها، لكنني أشعر بحرج كبير منها، وتمنيت لو أن بإمكاني حذف هذا اليوم من عمري لما عانيته من حرج وألم، ماذا أفعل فقد ضاق عليَّ البيت برحابته؟

وأشعر بألم عميق في قلبي مصدره السؤال التالي: (لماذا لا يحق لي حتى مجرد الاحتلام؟)؛ لأنني كما ذكرت لم أجرب أن أمس امرأة ولا في (أحلامي) منذ أن بلغت وحتى لحظة كتابتي لهذه الاستشارة.

أنا حاشا لله لا أشكو الخالق للمخلوق، ولكن ماذا أفعل؟ أنا أحتاج لزوجة بأعجل مما يمكنني الصبر على البقاء عازباً لفترة مقبلة، ولا يلوح في الأفق أي مؤشر لقرب زواجي، وعلى فكرة أنا أحب النساء الجميلات، فهل أنا مجبر شرعاً على التنازل والزواج فوراً بمن تقبل بي؟

أشعر أنني سأظلم زوجتي إن لم تكن على الأقل قريبة من مواصفاتي، وأشعر أنني سأكون سعيداً أيما سعادة مع المرأة التي توافق مواصفاتي، وبالتالي سأكون زوجاً أفضل لها ولأبنائنا.

أرجوكم دلوني على الطريق، فأنا ما عدت أطيق صبراً على العزوبية، بل ستبرد نار قلبي لو أنني فقط احتلمت مثل أي شاب في الدنيا؛ لأنني أشعر أنني محروم ومحاصر بالشهوة من جهة، وبالفتن من جهة، وبالعقوبة الدنيوية من جهة، وبالعقوبة الأخروية من جهة، فماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام، ونسأل الله أن يطهّر قلبك، وأن يحفظ عليك عفتك، وأن يرزقك زوجة صالحة تقر بها عينك، وأن يجعل جهادك لنفسك نورًا ورفعة، وأن يعوضك عن صبرك خيرًا عاجلاً غير آجل، فإن ما تعيشه صراع شريف بين شهوة قوية وإيمان يمنعها، وهذا عند الله من أعظم المقامات، ولعلك إن شاء الله تكون من السبعة الذي يظلهم الله في ظله، وبخصوص ما سألت فدعنا نجيبك من خلال ما يلي:

1- ما أنت عليه من حفظ نفسك مع شدة الشهوة مقام عظيم، وقد قال الله تعالى:(وَأَمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوى) وكل مرة تكف فيها نفسك وأنت قادر تُكتب لك عبادة عظيمة، فلا تنظر لنفسك بعين التقصير فقط، بل بعين الجهاد أيضًا.

2- عدم الاحتلام لا يدل على حرمان ولا عقوبة، بل هو أمر يختلف من إنسان لآخر، ولا علاقة له بسلامة الدين أو الرجولة، فلا تربط بينه وبين إحساسك بالضيق، بل لعل عدم الاحتلام من حفظ الله لك وأنت لا تشعر.

3- ما وقعت فيه من مشاهدة المحرمات مع كرهك لها، وندمك بعدها يدل على حياة قلبك، وفي نفس الوقت يشير إلى باب خطير يجب أن تنتبه له؛ لأن الاسترسال فيه يُضعفك، ويزيد الاشتعال الداخلي فيك، ويقودك إن لم تضبط تلك الشهوة إلى كبائر الذنوب؛ لذا يجب عليك الصيانة من البداية، والله علمنا عدم الاقتراب فقال: (وَلا تَقرَبُوا الزِّنا) فسدّ الطرق المؤدية إليه واجب، وأولها النظر المحرم.

4- ما حدث مع والدتك مؤلم من جهة الحياء، لكنه في الحقيقة ستر من الله، فقد كان يمكن أن تنكشف الأمور، لكن الله صرفها، وألهمها التغافل، وهذا من رحمته بك، ولعلها شكت في شيء آخر، أو لعلها لم تنتبه أصلاً، أو إن شكت فسيبقى الأمر داخل دائرة الظن لا اليقين، وهذا ما يجب أن تشكر عليه ربك، لذا فلا تجعل الشيطان يحول الستر إلى عذاب نفسي دائم.

5- تعامل مع والدتك بطبيعتك، وزد في برّها، ولا تهرب منها، فإن حسن المعاملة يطفئ هذا الحرج مع الأيام.

6- قولك إنك لا تطيق الصبر مفهوم، ولهذا وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب بقوله: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، فالزواج هنا ليس ترفًا بل ضرورة في حق من اشتدت عليه الشهوة.

7- لست ملزمًا أن تتزوج من لا تميل إليها، فالشريعة راعت القبول، لكن لا تجعل طلب الكمال سببًا لتعطيل نفسك، فالمطلوب: دين وخلق، وقبول نفسي معتبر، لا مثالية تُضيع عليك الحلال.

8- التوازن مهم: فلا تتنازل تنازلا يظلمك، ولا ترفع السقف حتى تُحرم من الخير، بل ابحث عما يجمع بين الاستقامة والقبول.

9- خطوات عملية تعينك:
. توسعة دائرة البحث وعدم حصرها في نطاق ضيق.
. الاستعانة بأهل الثقة والفضل.
. الجدية في الخطبة وعدم التسويف.
. تقليل الاشتراطات غير الضرورية.
وإلى أن يفتح الله لك ذلك؛ عليك التالي:
غض البصر بجدية، تقليل العزلة، ملء وقتك بالعمل والرياضة، الابتعاد عن كل مثير، كذلك الابتعاد عن الفراغ؛ فإن الشهوة تقوى معه وتضعف مع الانشغال، ولا تستخدم الهاتف وحدك طويلاً، وأغلق الأبواب التي تفتح عليك الحرام، وإذا جاءك الخاطر فغيّر مكانك أو حالك فورًا، والصوم سلاح مهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم «فإنه له وجاء»، أي يخفف حدة الشهوة، فاجعل لك نصيبًا منه.

10- لا تجعل الشيطان يقنعك أنك محاصر بلا مخرج، بل المخرج واضح: صبر مؤقت، مع سعي جاد للزواج، وهذا طريق كثير من الصالحين؛ لذا نوصيك مع ما سبق بالمحافظة على الأذكار، والإكثار من الدعاء، وتذكر أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وأن الله لا يضيع دمعة حياء، ولا لحظة مجاهدة.

نسأل الله أن يثبتك، وأن يحفظك من الفتن، وأن يرزقك الزواج القريب المبارك، وأن يملأ قلبك سكينة، ويجعل صبرك طريقًا إلى رضاه، والله ولي التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً