الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان
14/04/2026| إسلام ويب
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، الذي جعل الإيمان باليوم الآخر من أركان إيمان العبد، وجعل الجزاء من جنس العمل، وشَرَّفَ المؤمن بنورٍ يقين يضيء له طريق الحياة؛ أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من بلّغ الرسالة وأتمّ النعمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٩]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: ٧٠].
أما بعد،
عباد الله: حديثنا اليوم عن ركنٍ من أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر، وهو ركنٌ عظيمٌ وثابت في ديننا، لا يصح إيمان عبدٍ إلا به، فقد قرن الله تعالى الإيمان باليوم الآخر في كتابه مع الإيمان بالله تعالى في أكثر من موضع، وبينت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان باليوم الآخر جزءٌ من الإيمان الكامل. الإيمان باليوم الآخر يعني أن يعتقد المسلمُ بقلبه ويُصدّق بلسانه أنَّ هذه الحياة ليست النهاية، وأن هناك دارًا أخرى بعد الموت، تُقام فيها الحجة على الخلائق، ويُجازى كل إنسان بما قدمت يداه من خيرٍ أو شرّ، فإن الله تعالى بيّن لنا في كتابه فقال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ…} [البقرة: ١٧٧]، فالإيمان باليوم الآخر شرطٌ من شروط البرّ والاستقامة.
أيها المؤمنون: الإيمان باليوم الآخر ليس مجرد تصديقٍ مجمل، بل هو منظومةٌ عظيمة من العقائد التي تشكّل وعي المؤمن، وتوجّه سلوكه، وتضبط مسيرته في هذه الحياة، فهو يشمل الإيمان بالبعث بعد الموت، حين يخرج الناس من قبورهم أحياء بعد أن صاروا ترابًا وعظامًا، كما قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [سورة المؤمنون: 15–16]. ويشمل الإيمان بيوم القيامة، ذلك اليوم العظيم الذي تشخص فيه الأبصار، وتذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، ويقف الناس فيه بين يدي رب العالمين، قال الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} [سورة النساء: 87]. ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بيوم الحساب، حين يُحاسب العبد على القليل والكثير، والدقيق والجليل، كما قال سبحانه: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [سورة الزلزلة: 7–8]. ويشمل كذلك الإيمان بالنشر والحشر، حين يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، حفاةً عراةً غرلاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يُحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً) متفق عليه. ويشمل الإيمان بالميزان الذي توزن به الأعمال، فيظهر عدل الله المطلق، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [سورة الأنبياء: الآية: 47]. ومن ذلك أيضًا الإيمان بالجنة والنار، وهما دارا القرار، فالجنة دار النعيم المقيم التي أعدها الله للمتقين، والنار دار العذاب الأليم التي أعدها للكافرين والعصاة، قال الله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [سورة الشورى: الآية: 7]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.
عباد الله: هذه الحقائق العظيمة لم تذكر في الكتاب والسنة لمجرد المعرفة الذهنية، وإنما لتكون سببًا في حياة القلوب، واستقامة الجوارح، وزكاء النفوس، فإن من أيقن أنه مبعوث وموقوف ومحاسب، ومجزيّ بعمله؛ استحيا من ربه سبحانه، واستقام على أمره، وابتعد عن معصيته، وبهذا الإيمان تتضح للعبد حقيقة وجوده في هذه الدنيا، وأنه لم يُخلق عبثًا، ولم يُترك سدى، وإنما خُلق لغايةٍ عظيمة، كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [سورة المؤمنون: 115]. فإذا استقر هذا الإيمان في القلب، تغيّرت نظرة العبد إلى الحياة، فلم يعد يركن إلى دارٍ فانية، ولم يتعلق بزينةٍ زائلة، بل جعل همه الأكبر الدار الآخرة، وسعى لدارٍ باقية لا تبلى، ونعيمٍ لا يزول، كما قال تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [سورة الأعلى: 17]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسَه هواها، وتمنى على الله الأماني) رواه الترمذي.
عباد الله: إن لهذه العقيدة آثارًا جليلة في حياة المسلم: فهي تمنع الظلم، وتزرع في النفس ترك المعاصي والإنابة إلى الله تعالى، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة عنها بما يدل على عظم أهميتها، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت) رواه أحمد.
أيها المسلمون: الإيمان باليوم الآخر يجعل المؤمن مستعدًا للقاء الله تعالى في كل لحظة، فلا يغترُّ بطول الأمل، ولا يركن إلى زينة الدنيا، لأنه يعلم يقينًا أن الموت ليس فناءً وعدمًا، بل هو انتقالٌ إلى دارٍ أخرى، دار الجزاء والبقاء، حيث يجد العبد ثمرة عمله، وجزاء صبره، وحصاد ما قدّم في أيامه الخالية. قال الله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ} [سورة آل عمران: 30]، فهو وعدٌ من ربٍّ حكيمٍ لا يخلف وعده، أن كل عملٍ محفوظ، وكل جهدٍ مكتوب، وأن ما يزرعه العبد في دنياه يحصده في أخراه، {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سورة الكهف: 49].
أيها المؤمنون: الإيمان باليوم الآخر يُنعش قلب المؤمن بالرجاء في رحمة ربه، ويُلهب همّته في العمل الصالح، ويُحصّن نفسه من التواكل والركون إلى ملذات الدنيا، فإن الله تعالى جعل ثواب الطاعة الجنة، وجعل العقاب النار جزاءً لمن أعرض واستكبر. فتذكّروا – رحمكم الله – يوم البعث والنشور، يوم تقومون من قبوركم لربكم، قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [سورة المؤمنون: 15–16]، وقال سبحانه: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [سورة القيامة: 30]. فتمسّكوا بهذا الإيمان، واستعدوا لذلك اللقاء، واعملوا له ما استطعتم من طاعةٍ وتوبةٍ وصلاح، فإنها أيامٌ قلائل، ثم المصير إلى الله تعالى.
والإيمان باليوم الآخر رادعٌ عن الفساد في الأرض حين يوقن الناس أن الله سيُحاسبهم يوم القيامة حسابًا دقيقًا، لا يُظلمون شيئًا مما عملوا. وقد وصف الله أهل الإيمان بأنهم يوقنون بالآخرة، فيقول سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِك وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: ٤]، فاليقين بالآخرة من صفات المتقين.
أيها المسلمون: من أثر الإيمان باليوم الآخر أن يجعل العبد يُحسن إلى الناس، فهو يعلم أنَّ لكل مظلومٍ حقّاً محفوظاً يوم القيامة، وأنَّ كل قولٍ وعملٍ مكتوب، وأنَّ الدنيا مزرعة للآخرة لا دار مستقرة. قال النبي صلى الله علهي وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري.
والإيمان باليوم الآخر يُنمي في القلب الرضا بما قسمه الله تعالى، ويُعلّمنا الصبر على البلاء، لأن هذا الدنيا زائلة مثلها كمثل السحاب، وما كتب للعبد فيها من خير أو شر إنما هو طريق له إلى مرضاة الله وطاعته وتحصيل الأجر والثواب الأخروي.
أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله العظيمَ لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الذي جعل الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان وغاية العمل، وجمع لنا في كتابه صفات المؤمنين الذين يؤمنون بالآخرة ويعملون لها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من بلّغ الرسالة ونصح الأمة.
أما بعد،
عباد الله: فإن الإيمان باليوم الآخر هو الاعتقاد الجازم بأن هناك نهاية لهذه الحياة الدنيا، وأن الله سبحانه وتعالى سيبعث الناس بعد الموت ليحاسبهم على أعمالهم، ويجازي كل نفسٍ بما قدمت من خيرٍ أو شرّ، وقد بيّن القرآن والسنة أهمية هذا الإيمان ودوره في تهذيب النفوس، وجعل العمل الصالح مقرونًا به، وأنه سببٌ في تهذيب الخُلُق وإقبال العبد على الطاعات وترك المعاصي، وهذا الإيمان يُعطي للحياة معنى وغاية، ويُطمئن القلوب بالرحمة والجزاء.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.