
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:
الوالدان هما سبب وجودنا في هذه الحياة، وهما الرحمة التي أظلّت طفولتنا وصغرنا، والسَند الذي شدّ أزرنا في شبابنا، والظلّ الذي يحنو علينا في كبرنا.. وإن من عظيم حق الوالدين على أولادهما أنْ قرن الله حقهما بحقه، وجعل رضاه تبعاً لرضاهما، ورفع مكانتهما، وأوصى بهما حتى لو كانا كافرين، فكيف بالمسلمين؟!!
لقد عظّم الله شأن الأب والأم، وأعلى منزلتهما، فجعل برّهما مقرونًا بعبادته فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}(الإسراء:23-24).. وقرن الله شكرهما بشكره، فقال سبحانه: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}(لقمان:14)، فما أعظم أن يجتمع في حقّهما الحبّ الفطري والواجب الشرعي، وأن يكون رضاهما طريقًا إلى رضا الله، وسخطهما سببًا لسخطه.. إنهما بابان من أبواب الجنة، من فاز ببرّهما سعد في الدنيا والآخرة، ومن عقّهما خسر خسرانًا مبينًا..
فتأملوا ـ رحمكم الله ـ كيف جعل الله برّ الوالدين في تلك المنزلة، وكيف أمر بالرحمة واللين معهما، فلا كلمة تُحزِن، ولا صوت يرتفع، بل قول كريم، وخفض جناح الذل من الرحمة، ودعاء صادق يلهج به اللسان: {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}، هذا كلام الله، وهذا أمره، فهل بعد ذلك يبقى عذر لمقصر أو متهاون؟!
فشكر الله يقترن بشكر الوالدين، ورضا الله لا يُنال إلا برضاهما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رِضا اللهِ في رِضا الوالدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ) رواه الترمذي، أي: إرضاءُ الوالديْنِ سَبيلٌ لرِضا اللهِ، وذلك بالإحْسانِ إليهما، والقيامِ بِخْدِمَتِهما، وتَرْكِ عُقُوقِهما، حتى يَرْضَيا عن ابنِهِما، شَريطةَ أنْ تكونَ الطاعَةُ التي يتحصَّلُ بها الابنُ على رِضا الوالدَيْنِ فيما يُرْضي اللهَ لا فيما يُسخِطُه، لأنَّه لا طاعَةَ لمَخْلوقٍ في مَعْصيَةِ الخالِقِ..
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه : "ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها، إحداها قول الله تعالى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ}(آل عمران:32) فمن أطاع الله ولم يُطع الرسول لم يُقْبَل منه، والثانية: قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}(البقرة:43) فمن صلى ولم يُزكِ لم يقبل منه، ومن زكى ولم يصل لم يقبل منه، والثالثة: قول الله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}(لقمان:14) فمن شكر الله ولم يشكر والديه، لم يقبل منه"..
وقال صلى الله عليه وسلم: (الوالدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ، فحافِظ علَى والديكَ أوِ اترُكْ) رواه ابن ماجه، و"أوسَطُ أبوابِ الجنَّة"، أي: خيرُها، أو أنَّه سبُبٌ لدُخولِ الولدِ مِن أحسَنِ أبوابِ الجنَّةِ، (فحافِظْ على والدَيْك أوِ اتْرُكْ)، ليس المُرادُ التَّخييرَ بين الأمرينِ، بل المُرادُ التَّوبيخُ على ترْكِ بر الوالدينِ وإضاعتِهما..
ولما سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوَالِدَيْنِ قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ) رواه البخاري.
وأَقْبَلَ رَجُلٌ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقالَ: أُبَايِعُكَ علَى الهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الأجْرَ مِنَ اللهِ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (فَهلْ مِن وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قالَ: فَتَبْتَغِي الأجْرَ مِنَ اللهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَارْجِعْ إلى وَالِدَيْكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا) رواه مسلم، وفي رواية البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (أحَيٌّ والِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ).
وجاء معاوية السلمي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الخروج للجهاد، فكرر طلبه ثلاث مرات، وفي كل مرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأله: "أحيّة أمك؟" فيجيبه: "نعم"، فيقول له: "ارجع فبرّها"، حتى ختم له بقوله الجامع: "ويحك! الزم رجلها، فثمّ الجنة) رواه ابن ماجه.
فلنعرف ـ عباد الله ـ حق الوالدين، فحقهما عظيم، والأمر خطير، لا يستهان به ولا يُغفل عنه، فهو قرين حق الله عز وجل، ومن أعظم أبواب البر والطاعة..ومن حقوقهما: الحنو والشفقة عليهما، والتلطف بهما، ومعاملتهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، بل معاملة المقرّ بالفضل لمن سبق بالإحسان والتربية والرعاية.
فيا مَن تحب أن تُجْزَى بالإحسان إحساناً، ويا مَن ترجو رحمة الله ورضوانه، عامل والديك بالإحسان والتلطف، ولا تتأفف من أي شيء منهما، فهما سبب وجودك، وهما من سهرا الليالي لأجلك، وتحملَا المشقة في سبيل راحتك..
ويا مَن تريد الأجر والفضل: احذر الضجر والملل، ولا تنغص عليهما حياتهما بكلمة تؤذي أو نظرة تجرح، بل قل لهما ـ امتثالاً لأمر الله ـ قولاً كريماً حسناً طيباً، مقروناً بالتوقير والاحترام والتقدير، ولا ترفع صوتك عليهما، ولا تسبق كلامهما، ولا تُظهر الاستثقال منهما..
وتذكر ـ يا عبد الله ـ عندما كنت طفلاً صغيراً ضعيفاً لا حول لك ولا قوة، كيف رعياك، وكيف أحاطاك بالعطف والحنان، وكيف قدما لك من الحب والرحمة ما لا يقدمه أحد في الدنيا، فهل جزاؤهما إلا البر والإحسان، وهل مكافأتهما إلا الدعاء والرحمة، فليكن برّهما تاجاً على رأسك، وليكن الإحسان إليهما زادك إلى الجنة، فإنهما بابان عظيمان من أبوابها، من فاته أحدهما فقد فاته خير كثير، ومن أُغلق الباب دونه فقد خسر خسراناً مبيناً..
عباد الله: لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس حقاً بصحبة الولد، فقال للرجل حين سأله: (مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ) رواه البخاري. فانظروا ـ رحمكم الله ـ كيف كرر ذِكر الأم ثلاث مرات، لما تتحمله من المشاق والمتاعب والآلام، من حملٍ ووضعٍ ورضاعٍ وسهرٍ وحنانٍ لا ينقطع، ثم جاء حق الأب الذي أفنى عمره في الكدّ والتعب والسعي وراء الرزق ليؤمن لك حياةً كريمة..
فيا أيها العاق لوالديه: أنسيتَ أباك؟! أنسيت والدك؟! ألم تتذكر تلك اللحظة عندما بُشّر الأب بمجيئك، امتلأ فرحاً وسروراً، ثم بدأ يفكر بأي اسمٍ يسميك.. تذكر تلك الساعة، وتلك اللحظات، تذكر كدَّ والدك عليك على مدى الليالي والأيام والشهور والأعوام .. يقتحم الشدائد، ويتلقى المتاعب والمشاق في طلب الرزق من أجلك.
أيها العاق: تذكر حزن وألم والديك عند مرضك، وسهرهما لتعبك، وفرحهما عندما يراك وأنت في خير وعافية، وتذكر دفاعهما عنك، وتذكر دعاءهما لك، وتذكر كيف يكون حالهما إذا تأخرت عن وقت المجيء، فهو يتململا كأنهما على الجمر حتى تحضر وحتى تدخل البيت، لا يقر لهما قرار، ولا يهنآ بعيش حتى يراك.
فيا أيها العاق، يا من نسي الجميل، اعلم أن برّ الوالدين دَيْن عليك، وأنك ستجد أثر ذلك في أولادك، فمن برّ والديه برّه أبناؤه، ومن عقّهما عوقب بعقوق أولاده، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
إن عقوق الوالدين لا يقتصر على صورة واحدة، بل يتنوع في أشكال كثيرة كلها عقوق وقسوة وجفاء، فهو يكون بالسبِّ والشتم والإيذاء، ويكون بجلب اللعن لهما من الناس، ويكون بعصيانهما في المعروف، وبالتضجر من وجودهما أو من طلباتهما، ويكون بالتقصير في حقوقهما، وعدم الإنفاق عليهما عند الحاجة، وعدم خفض جناح الذل لهما رحمةً وشفقة، ويكون أيضاً بتقديم الزوجة والأولاد والأصحاب عليهما، وإهمال شأنهما، وترك زيارتهما، أو إلقائهما في دور العجزة وكأنهما عبء ثقيل..
ومن صور العقوق: الانشغال عنهما بأي صورة من صور الانشغال، أو الرد عليهما بكلمات جافة قاسية، أو إهمال رسائلهما واتصالاتهما، أو التبرم من خدمتهما في الكبر والضعف، ولقد نهى الله عز وجل أن يقال لأحد من الوالدين "أف": {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}(الإسراء:23)، وهذه الكلمة الصغيرة هي أدنى مراتب العقوق، فكيف بما هو أعظم منها؟!
ولقد رأينا في هذه الأزمنة صوراً مؤلمة من العقوق والجفاء، وسمعنا قصصاً تقشعر لها الأبدان، وكل ذلك إنما هو ثمرة الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الله برّ الوالدين قرين توحيده وعبادته، وجعل عقوقهما من أعظم الكبائر، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا ينظرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليهم يومَ القيامةِ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمرأةُ المترجِّلةُ، والدَّيُّوثُ، وثلاثةٌ لا يدخُلونَ الجنَّةَ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمدمِنُ على الخمرِ ، والمنَّانُ بما أعطى) رواه النسائي.
فالعاق محروم من الجنة، ومَن عقّ والديه قيّض الله له من يعقه عند الكبر، والجزاء من جنس العمل، وما تلك القصص التي نسمعها عن أبناءٍ أساؤوا إلى والديهم ثم نزلت بهم العقوبات إلا عبرة وعظة لكل غافل..
وختاماً: عباد الله، برّ الوالدين حياة تُعاش، وخدمة تُقدَّم، ورحمة تُبذل، ودعاء يُرفع. فليتق الله كل واحد منا في والديه، وليجعل برّهما تاجاً على رأسه، وليغتنم حياتهما قبل أن يُغلق الباب، فإنهما بابان من أبواب الجنة، من فاته أحدهما فقد فاته خير كثير.. واعلموا أن برهما لا ينقطع بوفاتهما، بل يستمر بالدعاء لهما، والصدقة عنهما، وصلة أرحامهما، وتنفيذ وصاياهما، وإكرام أصدقائهما، فاجعلوا برّهما في حياتهما وبعد وفاتهما زاداً لكم إلى الجنة، ووسيلةً لنيل رضا الله عز وجل.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..