الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير التوجيهات الطبية النبوية

تفسير التوجيهات الطبية النبوية

تفسير التوجيهات الطبية النبوية

ورد في السنة النبوية جملة من التوجيهات الطبية، والإشارة إلى أن أشفية تنفع لبعض الأمراض بخصوصها، أو أنها وقائية على وجه العموم، فهل تلك النصوص على ظاهرها وعمومها فتكون تلك التوجيهات تشريعا متبعا سواء ثبتت فاعليتها بالتجربة والإثبات العلمي أو لم تثبت، أم أن تلك التوجيهات تأتي في سياق الاجتهاد النبوي غير الملزم للأمة، وكان يقولها بناء على مجربات العرب غالبا، وتخضع بعد ذلك لقانون الطب القياسي، شأنها شأن الموروثات التي يكون منها ما يوافق الطب، ومنها ما لم يثبت أثره وعلاقته الدوائية والوقائية.

ويمكن أن نقسم ما ورد من ذلك إلى قسمين: الأول: ما دلت القرائن على أنه قاله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الوحي، كالاستشفاء بالعسل، فهو مستند لقول الله تعالى: (فيه شفاء للناس) الآية، ومثل الحجامة فقد ورد «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث عرج به، ما مر على ملأ من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة». رواه الترمذي.
ومثل الرقية ببعض السور والأدعية التي ثبتت، فهذه أمور لا ينكر أثرها لمن فعل ذلك مصدقا موقنا بنفعها وأثرها، وهي وحي مصدق، وواقع مجرب شهد الحس بفاعليتها وأثرها.
القسم الثاني: ما لم يدل دليل ولا قرينة على أنه قالها على سبيل التشريع، وإنما على سبيل التجارب المتداولة في عصره، ولا بد من التأكد من فاعليتها بالبحث والتجربة، وهي تمثل احتمالا طبيا يدعو للبحث والتأكد من ثبوت أثرها، فالتوجيه الطبي في هذا القسم ليس تعبديا محضا لا يعقل معناه، بل هو تابع للمصلحة، ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر في أمور الطب إلى الحس والتجربة، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الموطأ: «لقد هممت أن أنهى عن الغِيْلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم» قال مالك: والغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع. انتهى. فقد ثبت لديه بالحس والمشاهدة أن جماع الزوج لزوجته وهي في فترة الرضاع لا يضر بصحة الولد، ولذلك لم يمنع منه، لعدم مستند ذلك وهو ثبوت الضرر.
ومن أمثلة هذا القسم مجموعة من الأحاديث التي اشتملت على توجيهات طبية وتخضع للتجربة والإثبات العلمي:
منها حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: «من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر». متفق عليه.
ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا: «العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وفيها شفاء للعين». أخرجه أحمد والترمذي.
وحديث عائشة، مرفوعا: «إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام، قلت: وما السام، قال: الموت» متفق عليه.
ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داءً». متفق عليه.
ومنها الأحاديث الواردة في العدوى فمنها حديث:«لا عدوى ولا صفر ولا هامة». متفق عليه.
ومنها أحاديث الطاعون، كحديث أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوفإذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها»متفق عليه.
ومنها حديث: «إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء» رواه الإمام أحمد.
فهذه الأحاديث المذكورة في هذا القسم الثاني، ونحوها من الأحاديث التي تدخل في صلب الأمور الطبية، الوقائية والعلاجية، ولا ينبغي أن تؤخذ حجة في الطب والعلاج، بل مرجع ذلك إلى أهل الطب، فهم أهل الاختصاص في ذلك، فقد لا يثبت في الطب علاقة دوائية لتلك المذكورات على إطلاق ظاهر الروايات، وهذا لا يؤثر في تصديقنا بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن تكون مطعنا في الإسلام إذا فهمناها بهذا التقسيم الذي يجعلها في إطار الاجتهاد البشري لا الوحي المعصوم، كما قال القاضي عياض: ليس في ذلك محطة ولا نقيصة، لأنها أمور اعتيادية يعرفها من جربها.
قال الخطابي في معالم السنن: والطب نوعان: طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي، وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلا على طريقة طب العرب.
وقال ابن خلدون في المقدمة: "والطّبّ المنقول في النبوات من هذا القبيل (يعني طب البادية المبني على تجارب قاصرة) وليس من الوحي في شيء وإنّما هو أمر كان عاديّا للعرب. ووقع في ذكر أحوال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من نوع ذكر أحواله الّتي هي عادة وجبلّة لا من جهة أنّ ذلك مشروع على ذلك.
وقال ابن الجوزي في كشف المشكل بعد حديث "في العسل والحجم الشفاء": والذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه في الطب ينقسم إلى ما عرفه من طريق الوحي، وإلى ما عرفه من عادات العرب، وإلى ما يراد منه التبرك، كالاستشفاء بالقرآن. انتهى.
فلو أخذنا على سبيل المثال حديث: «من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر» لوجدنا أن هذا الحديث قد تعددت فيه الأفهام والتفسيرات، والسبب وراء ذلك أن إثباته بالتجربة أعني: فاعلية التمر في الوقاية من السموم بأنواعها حتى لو حصرناها بما كان في زمن النبوة فيدخل فيها سم الأفاعي القاتل، فلا يمكن إثبات ذلك أو الجزم بعلاقة دوائية أو وقائية بين التمر وسم الأفاعي على سبيل المثال، ولذلك نجد المتقدمين قد قدموا تفسيرات تأويلية لظاهر الحديث حتى لا يثبتوا معنى يخالفه الحس، فمنهم من خصه بتمر نخل غرسها النبي صلى الله عليه وسلم بيده فيكون خاصا بزمنه، ومنهم من خص الحديث بسموم تكون في الجسم (الديدان) كما ذكره ابن القيم، ومنهم من حملها على بركة التصديق لا الأثر الحسي للتمر، وبهذا يكون الأمر متعلقا بجانب إيماني لا حسي، فيظفر به من أخذ الحديث بتصديق ويقين مطلق، وهذا يقع لخواص من المسلمين، كما وقع لخالد ابن الوليد في قصة شرب السم، وهكذا.
قال الخطابي في معالم السنن: كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر.
وقال ابن حجر في الفتح: وفي كلامه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السم وهو ما ينشأ عن الديدان التي في البطن لا كل السموم، لكن سياق الخبر يقتضي التعميم؛ لأنه نكرة في سياق النفي، ثم يتساءل الحافظ: وعلى تقديم التسليم في السم فماذا يصنع في السحر؟.
وقال القرطبي: هل هو خاص بزمان نطقه أو في كل زمان؟ هذا محتمل ويرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة فمن جرب ذلك فصح معه عرف أنه مستمر وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان.
ونقل الحافظ في الفتح عن المازري قوله: هذا مما لا يعقل معناه في طريقة علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في السم وجه من جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو السبع ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمانه صلى الله عليه وسلم خاصة أو لأكثرهم إذا لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زماننا غالبا، وأن وجد في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال.

ولعل هذا المسلك في قراءة هذه الروايات أسلم وأكثر توافقا مع المسلمات العلمية، وأبعد عن التشويش وإثارة الشبه حول الإسلام كاملا لمجرد روايات هي من باب الارشاد الاجتهادي وليست من باب التشريع المعصوم، وأما ما ثبت منها بالعلم والتجريب فهذا يكون ثابتا بالعلم والتجربة، وليس بالنص مجردا، وما أثبته الحس فلا مجال لنكرانه، ولا يقال بعد هذا إنه يجب أن تخضع كل السنة النبوية للتجربة والإثبات الحسي، فهناك غيبيات يجب التسليم بها، ونحن متعبدون بالإذعان لها، والتصديق بوجودها، ولكن لما كان علمنا من معهود الشرع أنه يتعامل مع الأمور الطبية والشؤون الدنيوية بمقتضى النفع والضرر لا التعبد المحض كان هذا مسوغا لإخضاع تلك الإشارات النبوية المتعلقة بالطب للعلم والإثبات، على قاعدة حديث: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». وقد بوب الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم لهذا الحديث فقال: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سيبل الرأي.اهـ.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة