شرح حديث: إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف، وحديث: هل نرى ربنا يوم القيامة؟

26-10-2014 | إسلام ويب

السؤال:
ما المقصود بقولهم: «فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يُوطأ» في حديث أنس رضي الله عنه:
«مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، وصبيٌّ في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يُوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني، ابني. فسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتُلقي ابنها في النار. قال: فخفضهم رسول الله، وقال: لا، والله، لا يُلقي الله حبيبه في النار»؟
وهل من الممكن أيضًا شرح موجز لهذا الحديث -بارك الله فيكم-؟
ويوجد حديث آخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق إلى المغرب؛ لتفاضل ما بينهم». قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: «بلى، والذي نفس محمد بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين».
لم أفهم المثال الوارد في هذا الحديث، فهل من الممكن شرح الحديث -بارك الله فيكم-؟
وحديث آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا، يا رسول الله.
قال: «فهل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه كذلك».
وأيضًا أريد شرح هذا الحديث -بارك الله فيكم، وجزاكم الله كل خير-.
أنا سوري أعيش في تركيا، وهنا لا توجد مرجعية أثق بها، ولكن الإخوة الأتراك يقرؤون كتاب أدعية اسمه: «الجوشن الكبير»، ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في إحدى الغزوات وعليه درع ثقيل، فنزل عليه جبريل، وقال له: يا محمد، اخلع هذا الدرع وخذ هذا الحرز (أي: الدعاء).
وهذا الدعاء طويل، ومقسَّم إلى فقرات، وبين كل فقرة وأخرى مكتوب: «سبحانك لا إله إلا أنت، الأمان الأمان، خلصنا من النار». فما حكم هذا الدعاء؟ وما حكم قراءته؟ وهل هو من السنة؟
وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالحديث الأول: رواه أحمد، وأبو يعلى، وقال ابن كثير في تفسيره: إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال الهيثمي: رواه أحمد، والبزار بنحوه، وأبو يعلى، ورجالهم رجال الصحيح، وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط.

ومعنى "أن يوطأ": أن يُداس بالأقدام؛ جاء في القاموس المحيط: "وطِئَهُ، بالكسر، يَطَؤُهُ: دَاسَه. انتهى.

وعليه؛ فشرح عبارة (فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ): أي: خشيت أن يدوسه الناس بأقدامهم لصغره.

وأما باقي الحديث: فقال المناوي في فيض القدير: (والله لا يلقي الله حبيبه في النار) قال ذلك لما مر في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى، وتقول: ابني ابني. فأخذته، فقالوا: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار. فذكره. انتهى.

وأما حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: فقوله في الحديث: الغابر، بمعنى: البعيد، والمعنى العام للمثال، كما في منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري: أي: أنهم يشاهدون عن بعد أهل المنازل العالية في الجنة، كما كانوا يشاهدون في الدنيا الكوكب البعيد في أفق السماء. انتهى.

قال ابن علان في دليل الفالحين: أهل الجنة متفاوتو المنازل بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم، كما قال: لتفاضل ما بينهم ..والغابر.. قال عياض: معناه الذي يبعد الغروب، وقيل: معناه الغائب، ولكن لا يحسن هنا، لأن المراد بعده عن الأرض كبعد غرف أهل الجنة عن بعضها في رأي العين. والرواية الأولى هي المشهورة. ومعنى الغابر: الذاهب. وقد فسره بقوله في الحديث: "من المشرق إلى المغرب". قال القرطبي: شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب الغرفة برؤية الرائي الكوكب المضيء الباقي في جانب الشرق والغرب في الاستضاءة مع البعد، وفائدة ذكر المشرق والمغرب: بيان الرفعة وشدة البعد، والمراد بالأفق: السماء. وفي رواية لمسلم: من الأفق من المشرق والمغرب. انتهى.

وللفائدة نذكر لك إيضاح باقي الحديث: وقوله: " لتفاضل ما بينهم" أي: لأن أهل الجنة يتفاضلون في مساكنهم، ومنازلهم، ودرجاتهم. "قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم" الظاهر: أنه سؤال واستفهام، والمعنى: هل تلك المنازل العالية هي منازل الأنبياء التي لا يصل إليها سواهم؟ "قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" أي: أنها ليست خاصة بالأنبياء، ولكنها للصديقين من هذه الأمة المحمدية. انتهى من منار القاري.

وأما حديث رؤية الله: فواضح؛ فالمؤمنون يرون ربهم لا يتضارون في رؤيته؛ قال النووي في شرح مسلم: وروى: تضارون بتشديد الراء، وبتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدد: هل تضارّون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية، أو غيرها؟ لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر. ومعنى المخفف: هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر؟

وقال ابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح: في هذا الحديث الدليل الواضح على رؤية المؤمنين ربهم -عز وجل- في الآخرة، وأنهم لا يشكون في رؤيتهم، كما لا يشك أهل الدنيا في رؤية الشمس، وهذا فإنما ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلًا للرؤية؛ إذ الله -سبحانه وتعالى- لأجَل من أن يشبه بالشمس أو القمر، إنما ضرب ذلك مثلًا لإيضاح الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي. اهـ.

وقوله: (ليس دونه سحاب) يعني: أن الله سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين تجليًا يوقع فيه بينه وبينهم كل حجاب.

وأما قصة الجوشن: فلا نعلمها تصح، بل الظاهر: أنها منكرة؛ ففي المسند، وسنن أبي داود، وغيرهما عن السائب بن يزيد: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ظاهر بين درعين يوم أحد" صححه الألباني.

قال السندي: قوله: "ظاهر بين درعين" أي: أوقع الظهار بينهما، بأن جعل أحدهما ظهارا للأخرى، أو الظهار بمعنى: المعاونة، والمراد أنه لبسهما، وفيه أن التوكل لا يقتضي ترك مراعاة الأسباب. اهـ.

ولا نعلم مضمون هذا الحرز، وفي الاشتغال بالأذكار الثابتة، والأدعية المأثورة كفاية، وانظر الفتوى: 113189.

وقد أفتت اللجنة الدائمة بتحريم اتخاذ حرز الجوشن حرزاً، فانظر الفتوى: 255724.

والله أعلم.

www.islamweb.net