السؤال
هل يُعدّ الاشتراك الشهري في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT من الغرر المحرَّم؟
طريقة الاستخدام تكون غالبًا بأحد أمرين:
الأول: الدفع حسب الاستخدام، وذلك بشراء رصيد معلوم بمبلغ معلوم، ثم يُستهلك بحسب الاستعمال، إلا أن هذه الطريقة مكلفة جدًا لمن يحتاج إلى استخدام كثيف.
الثاني: الاشتراك الشهري، حيث يدفع المستخدم مبلغًا ثابتًا مقابل الانتفاع بالخدمة ضمن حدود تضعها الشركة، لكن هذه الحدود تتجدد أسبوعيًا، ولا يُعلَن للمستخدم مقدارها الفعلي رقمًا، وإنما تظهر له نسبة تقريبية فقط، مثل: استهلكت 50% من الاستخدام الأسبوعي، دون بيان أصل الحد. وقد تتغير طريقة احتساب هذه النسبة من وقت لآخر من دون حتى إبلاغ المستخدم؛ فنفس معدل الاستخدام قد يستهلك اليوم 50%، وبعد أسبوع قد يستهلك 70% أو 30%.
ومع كل ذلك تبقى هذه الطريقة أكثر توفيرًا وأفضل اقتصاديًا بكثير. فهل يدخل هذا الاشتراك في الغرر المحرَّم لجهالة مقدار المنفعة، أم يكون جائزا؛ لأن المعقود عليه هو حق الانتفاع بالخدمة وفق الشروط المُعلَنة، ولو لم يُعرف الحد العددي بدقة؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فضابط الغرر الممنوع في العقود: هو ما كان فاحشًا غالبًا على العقد حتى صار يوصف به.
وأما الغرر اليسير غير المقصود، فلا يؤثر، ولا يكاد يخلو عقد أصلًا من الغرر اليسير.
قال الباجي في المنتقى -في بيان معنى الغرر-: ما كثر فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، وأما يسير الغرر، فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع، فإنه لا يكاد يخلو عقد منه. اهـ. باختصار.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير.
منها: أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز.
وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين.
وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم.
وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين، وعكس هذا.
وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء.
قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرًا، جاز البيع وإلا، فلا. اهـ.
والاشتراك الشهري في تطبيقات الذكاء الاصطناعي جائز، لأمرين:
الأول: أن الغرر فيه يسير معتادٌ في عقود الخدمات، لا يبلغ حدَّ الفاحش المنهي عنه، وقد نقل النووي الإجماع على جواز الشرب من السقاء بعوض مع جهالة قدر المشروب، وعلى جواز إجارة الدار شهرًا مع أن الشهر يتفاوت، وهذا في معنى هذه المسألة.
الثاني: أن الحاجة داعيةٌ إليه، وقد قرر العلماء أن الحاجة تُبيح الغرر اليسير الذي لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة.
وانظر للفائدة الفتويين: 456424، 502951.
والله أعلم.