العلاقات العامة مع الناس والعلاقات الأسرية والفرق بينهما..

2026-07-22 02:55:06 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرَ ما جزى مُربيًا عن أبنائه ومسترشديه، وأشكركم على ثنائكم، وعلى إجابتكم على استشارتي السابقة، التي حوت أجوبةً أزالت حيرتي، وكما قيل: "لا يفهم مسألة طالب العلم إلَّا العالِم"، فأسأل الله أن يجزيكم جميعًا خير الجزاء.

أود معرفة رأي حضرتكم بخصوص مفهومي الحالي للعلاقات، وهل هو مسلك صحيح؟

فأنا أولًا لا أميل إلى تكوين العلاقات العاطفية التي تقوم على مبدأ الدعم العاطفي في إطار الصداقة، من فضفضةٍ، أو دعمٍ عاطفي، حتى وإن كانت في حدود الكلام الطيب والتودد؛ لأنني أشعر بثقلٍ وضغطٍ بسببها، كما أنني أتخلى بسهولة عن هذه العلاقات عند أقل إهانةٍ، أو سوء معاملة؛ لأنني لست مجبرةً عليها، ولا يوجد التزام يربطني بها، والطرف الآخر كذلك ليس ملزمًا بشيء تجاهي، ولن أضحي وأنا في غنىً عن ذلك، لذا فمن المتوقع أن يصدر منه سلوك سيئ، وليس مجبرًا على إصلاحه، ومتابعة ذلك لن تكون إلَّا مضيعةً لطاقتي ووقتي.

وحاليًا، تقوم علاقتي مع صديقتَيَّ فقط على مبدأ "المكسب المتبادل" الذي أبني عليه علاقاتي، ورغم أنها علاقات وظيفية، فإننا متفاهمات، وأنا لا أعتبر أي علاقةٍ ليس فيها التزام، أو تفاهم، أو رابط دم، إلَّا علاقةً عابرةً، أتنحى عنها عند أقل ضرر.

وعلى أي حال، فأنا أدرك أن عمري الحالي، وهو ستة عشر عامًا، ليس عمرًا للمجاملات، أو الصحبة، أو اللهو، بل هو وقت للزراعة، والاستثمار، والإقبال على ما هو آتٍ، بحول الله وقوته.

ويستثنى من ذلك الأهل، أو ميثاق الزواج مستقبلًا؛ حيث أقبل عليه متحملةً ما فيه من مساوئ وعيوب؛ لأنني حين أوافق يكون هناك التزامٌ ومصلحةٌ متبادلة، وإن دعمتهم أعلم أن هناك أمانًا متبادلًا، وأتقبلهم كما هم؛ لتستقر الحياة، فكل واحدةٍ من هذه العلاقات الرسمية تقوم على تضحيةٍ متبادلة، ما دامت لا تتجاوز الخطوط الحمراء، وإلَّا فالمسافات المحترمة أولى.

وأضيف إلى حضرتكم جانبًا آخر، وهو أنني بطبيعتي فتاة اجتماعية، وبشوشة، وأبادر إلى مساعدة الآخرين، وكنت كثيرًا ما أتعرض للأذى، ورغم اضطراب علاقتي بأهلي، فإنني لا أستطيع بتاتًا الاستغناء عن والديَّ وأخويَّ، وأتجاوز عن زلاتهم؛ لوجود رابط الدم، ولفضلهم عليَّ.

فهل هذا المنظور الذي أتبناه لحماية نفسي في هذه المرحلة من عمري صحيح، ويدل على النضج، أم أنه يحمل مخاطرة؟ وأرجو أن تقدموا لي نصائحكم، بارك الله فيكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ آمنة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ (بُنيَّتي) مجددًا عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤالِ، بما فيه من تفاصيلَ، وأسلوبٍ راقٍ من التفكيرِ، والتعبيرِ عما في نفسكِ بشكلٍ أفضلَ من المعتادِ.

بُنيَّتي، نعم واضحٌ أيضًا من سؤالكِ أنكِ شديدةُ الحساسيةِ، كما ذكرتِ: يمكن أن تستغني عن العلاقةِ عند أقل إهانةٍ، أو سوءِ معاملةٍ.

بُنيَّتي، كلنا نعلم أن البشر يخطئونَ؛ قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، ولكي يعيش الإنسان مع الآخرينَ، فهو مخلوقٌ اجتماعيٌّ بطبعهِ، وأنا سرَّني ما ذكرتِ من أنكِ بالفطرةِ فتاةٌ اجتماعيةٌ، وهذا يتطلب أن نتحمَّل بعض هفواتِ الناسِ، أو أخطائهم، أو ربما حتى حماقاتهم -لو سمحتِ لي-؛ من أجل أن تستمر الحياةُ، نأخذ ونعطي في نفس الوقتِ؛ لتستمر الحياةُ، وإلَّا سيجد الإنسان نفسه في معزلٍ عن الآخرينَ، وهذا ليس جيدًا للصحةِ النفسيةِ، فكثيرٌ من الشعوبِ تعاني معاناةً شديدةً بسبب العزلةِ، والوحدةِ.

بُنيَّتي، واضحٌ من سؤالكِ أنكِ تُفرِّقين بين العلاقاتِ العامةِ والعلاقاتِ الأسريةِ، فتحمُّلكِ لعلاقاتكِ مع أفرادِ أسرتكِ أفضل بكثيرٍ، وهذا أمرٌ طيبٌ.

أمَّا بالنسبة إلى العلاقاتِ الأخرى مع الصديقاتِ وغيرهنَّ، فكما ذكرتِ: تقبلين ما تقبلينَ، وترفضين ما ترفضينَ، ولا تعارضَ بين العلاقةِ وبين المصلحةِ، فالله تعالى يقول: {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}، وفي الحديث: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ» فالمنفعة لا تتنافى مع الصداقةِ والعلاقاتِ الاجتماعيةِ.

أعود فأقولُ: إنكِ -ما شاء الله- ما زلتِ في هذا السنِ (السادسة عشرةَ)، ولا شك أن الحياة ستعلُّمكِ -كما علَّمتنا- أمورًا كثيرةً، لا نتعلَّمها لا في المدارسِ، ولا في الجامعاتِ؛ فالحياة هي المدرسة الكبرى، فكل التجاربِ التي تمرين بها الآن، الإيجابيةِ منها والسلبيّةِ، ستساهم في تكوينِ شخصيتكِ، وتوجهكِ نحو الحياةِ، ونحو البشرِ.

نقطةٌ أخيرةٌ: أسلوبكِ جيدٌ، أرجو أن تتابعي في موضوعينِ: القراءة الأدبية الراقية، والكتابة؛ حاولي أن تستمري بالكتابةِ، لعلكِ تكتبين خواطرَ، أو ما شابه ذلكَ، فأسلوبكِ جيدٌ.

أدعو الله تعالى أن يُيَسِّر لكِ، ويلهمكِ صواب الرأيِ، والقولِ، والعملِ.

وبالله التوفيق.

www.islamweb.net