أصبحت عالقاً في الماضي بسبب الوساوس التي عادت لي من جديد!
2026-04-22 02:00:19 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أتمنى ألَّا تحيلوني إلى فتاوى سابقة، وأن تتفهموا ما أنا فيه من ألم.
أنا -يا شيخ- كنت مصابًا بالوسوسة في كل شيء: في العقيدة، والوضوء، والصلاة، وغيرها، حتى عافاني الله عز وجل منها -والحمد لله-، وطبقت كلام حضراتكم في الفتاوى من الإعراض، وعدم التكرار، وعدم الالتفات، والحمد لله أصبحت حياتي سعيدة جدًّا بعد أن كانت متعطلة بسبب تلك الوساوس، لكنني للأسف عدت إليها، وانهارت حالتي تمامًا.
ليس الأمر الآن في التكرار، بل في التأكد: هل ما أقوم به من إعراض صحيح أم كان خطأً حقيقيًا؟ ففي يوم من الأيام كنت متوترًا وأرتعش بسبب أمرٍ ما في الدراسة، فذهبت إلى الحمام لأتوضأ، وكان قبل ذلك بأيام يلازمني وسواس وصول الماء إلى الوجه، لكنني كنت أدفعه كما أفعل عادة، ومن شدة الرعشة لم أستطع إيصال الماء إلى وجهي بشكل كامل، فكانت يدي تنحرف، وكنت أكرر ذلك حتى انقلب الأمر إلى وسواس، وخرجت حزينًا جدًّا، وقلت: كيف لي أن أعود لمثل هذه الوساوس؟ لكنني حرفيًا كنت لا أستطيع غسل وجهي وإيصال الماء إليه بشكل كامل.
بدأت أفكر كثيرًا، فتذكرت أول مرة أعرضت فيها عن الوساوس، عندما كنت أغسل قدمي والصنبور مفتوح والماء كثير، فوضعت قدمي تحت الصنبور، فوجدت أن الماء يسيل على كل قدمي ما عدا بقعة صغيرة على أصبعي، فقلت إن ذلك وسواس ولم أُعره اهتمامًا، وتعرضت للوساوس، وبالفعل لم أفعل شيئًا.
ولكن عندما فكرت في ذلك لاحقًا، في اللحظة التي تذكرت فيها هذا الأمر، جاءتني فكرة مؤلمة: لم يكن ذلك إعراضًا عن الوسوسة، بل كان خطأً بالفعل، فصُدمت وحزنت كثيرًا؛ لأن هذه الفكرة جعلتني أتساءل: لماذا لم تكن كل صور إعراضي عن الوسوسة بنفس الطريقة؟ وهل كان ذلك خطأً حقيقيًا؟
حزنت كثيرًا، وأصبحت عالقًا في الماضي، وأفكر في كل شيء مررت به، وكأن شريط صلواتي الماضية يُعاد أمامي، لأن هناك صلوات أشعر أنني ربما أخطأت فيها، وكلما قلت لنفسي: (الله غفور رحيم، انسَ) تأتيني فكرة أن هناك من العلماء من يقول بوجوب إعادة الصلوات التي وقع فيها خطأ وقضائها، فأحزن كثيرًا وأقول: لماذا لم يفكر هؤلاء العلماء في أن الله غفور رحيم وعفا الله عمَّا سلف؟
أصبحت أشك في كل صلواتي، وكأن شريط حياتي كله فيه خلل، ولا أدري ماذا أفعل، ما الحل؟ أرجوكم أفيدوني، فأنا أتألم بشدة، وهل إذا أخطأت خطأً حقيقيًا تبطل العبادات؟ وإذا كان ذلك بنية الإعراض عن الوسوسة، فهل يغفر الله لي وليس علي شيء؟
أفتوني، وماذا أفعل فيما مضى؟ وهل للموسوس رفعٌ للحرج؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ User123 حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.
بدايةً: نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يعينك على التخلص من هذه الوساوس، ويصرف شرها عنك.
وثانيًا نقول -أيها الحبيب-: إن تجربتك مع هذه الوساوس دليلٌ على إمكانية التخلص منها بإذن الله تعالى؛ شريطة ألَّا تستسلم للعودة إليها، فإدراكك لتفاهة هذه الوساوس في بعض اللحظات، وإقبالك على العبادة، برهانٌ على قدرتك على تجاوز هذا العائق.
وهذا هو مراد الله تعالى منك، وما يأمر به الشرع الحنيف؛ أن تتجاوز هذه الوساوس تمامًا، وتُدرك أن الموسوس مريض، وأن الله تعالى رخَّص للمريض ما لم يُرخَّص به للصحيح.
فتجاوزْ هذه الأفكار، ولا تُعِدْ أي صلاةٍ تحت تأثير الوسوسة، ولا تلتفتْ لما تمليه عليك من أن طهارتك ناقصة، أو أنك لا تستطيع إيصال الماء إلى وجهك؛ فكل هذه آثارٌ لا حقيقة لها.
وينبغي أن تدرك -أيها الحبيب- أن الوساوس قد تصل بالإنسان إلى حالٍ أعجب ممَّا وصلت إليه؛ فقد يفعل الموسوس الشيء كاملاً ويراه الآخرون في غاية التمام، لكنه يرى في نفسه أنه لم يفعله؛ ولا غرابة في ذلك، فهو مريض.
وقد ذكر العلماء في أخبار الموسوسين عجائب لولا أنها وقعت لا يكاد الإنسان أن يُصدِّقُها؛ حيث أورد الإمام ابن قدامة في كتابه "ذم الموسوسين" -وكذلك ابن القيم- أخبارًا غريبة؛ منها أن الإمام ابن عقيل الحنبلي (الإمام المجتهد الكبير) جاءه رجلٌ ينغمس في الماء بنية الطهارة ثم يشك: هل أصاب الماء جسده؟ فقال له الإمام: "أنت ليس عليك صلاة؛ لأنه لا عقل لك، والتكاليف الشرعية إنما تجب إذا كان العقل موجودًا".
هذه الحالات تُفسِّر لك حال الموسوس، وكيف قد يخالف العقل والحس تحت تأثير الوهم؛ لذا تأكد تمامًا أن ما تجده من أفكار في طهارتك إنما هو من أعراض هذا المرض؛ والدليل أنك لو أردت غسل وجهك في غير الوضوء لفعلته بلا مشقة؛ مما يؤكد خلوّك من أي مرضٍ حسِّي.
إن وضعك طبيعيٌّ تمامًا، وعبادتك صحيحة، وعلى فرض وجود تقصيرٍ؛ فإن الله تعالى يجبر هذا النقص كما يفعل مع سائر المرضى، فنرجو أن تأخذ هذه النصائح مأخذ الجد؛ لتُريح نفسك من هذا العناء، وإلَّا فستظل في هذه الدوامة.
ارحم نفسك وافعل ما أمرك الله به؛ فهو سبحانه أعلم بمصالحك وبشرعه، وهو الذي يقبل منك العمل بالطريقة التي شرعها، لا تلتفت لتهويلات الشيطان؛ فهي خطواتٌ يريد بها تثقيل العبادة عليك لتتركها بالكلية، أكثر من الاستعاذة بالله، ولازم ذكره، وأعرض عن هذه الوساوس تمامًا إذا أردت الخير لنفسك.
نسأل الله أن يُفقهك في دينه، وأن يصرف عنك كل سوءٍ ومكروه.