أحاول جاهدة أن أستقيم لكني أشعر بالضياع، فأين الطريق؟

2026-04-19 01:57:02 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله.

أنا فتاة في السابعة عشرة من عمري، تركت صحبة السوء لكي أمضي في طريق الله تعالى، وبعدها طلبت منهم الصفح لوجهه، لأنني اغتبتهن ونشرت النميمة بينهن، ولم أرد الرجوع لهن مرة أخرى.

حاولت جاهدة أن أستقيم، ولكنني لا زلت ضائعة حيال طريقة الاستقامة الصحيحة، وبين الفتاوى المتعددة حول اللباس الشرعي.

أشعر بأنني لا أعرف نفسي، وضائعة، ودائماً ما أكثر من تأنيبها، إلى أن وصلت إلى مرحلة الضياع والكسل، وصرت أقضي أغلب وقتي على مواقع التواصل الاجتماعي، وأتأثر بما يُعرض عليَّ، سواء كان نافعاً، أو ظاهره النفع وباطنه سم في العسل، وأيضاً أسعى في إرضاء نفسيات الناس على حساب نفسي، وأتأثر بهم.

أريد منكم مساعدتي، جزاكم الله خيراً.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بكِ أختي الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.

أختي الكريمة: ترك رفقة السوء من أعظم ما يعين المرء على التوبة والإقبال على الله تعالى، وقد أصبتِ في هذا القرار، كما يُحمد لكِ حرصكِ على طلب الصفح ممن أسأتِ إليهم؛ فهذا من تمام التوبة المتعلقة بحقوق العباد كالغيبة ونحوها، وهذه البداية برهان على ندمكِ ورغبتكِ في الأوبة والرجوع إلى الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة).

أختي الفاضلة: معالم طريق التوبة واضحة وجلية، وهي مُيسّرة وسهلة على من صدقت عزيمته، وبذل وسعه في نيل رضا ربه؛ فالله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عباده ويأخذ بأيديهم نحو الاستقامة، قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

ولأنَّ بدايات الطريق قد يشوبها نوع من التعثُّر في معرفة المسلك الأفضل والأكمل لتحقيق رضا الله، فقد يقع التائب في بعض الحيرة؛ لرغبته في تعويض ما فاته من تقصير، وسعيه للاجتهاد في الطاعات، مما يجعله يسأل ويبحث بكثرة، وقد يجد نفسه أمام سيل من الأقوال والآراء، التي قد يعجز عن ترتيب أولوياتها وفهم مقاصدها، لذا؛ فإننا نضع بين يديكِ هذه النصائح، والتي ستسهم -إن شاء الله- في خروجك من دائرة الحيرة والضياع والكسل، سائلين الله أن يوفقكِ للعمل بها:

أولاً: حماية النفس عن مثيرات المعصية
أختي الكريمة: من الصعب جداً الثبات على الاستقامة ما دام المرء لا يزال في بيئة المعصية؛ ولذا كان قراركِ بترك رفقاء السوء خطوةً مهمة في بداية توبتكِ، ويتعين عليكِ الآن المبادرة بقطع صلتكِ بكل الوسائل التي تضعف عزيمتكِ، ومن أبرزها التمادي في مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاهدة ما يخدش الإيمان ويضيع الوقت؛ فلا بد من تشييد حصن منيع بينكِ وبين تلك المفسدات، لتمنحي قلبكِ فرصةً للتعافي والبناء.

ثانياً: فقه الأولويات في الالتزام
أختي الفاضلة: أنتِ مطالبة في بداية التوبة بالإقلاع عن الذنوب والمعاصي أولاً، ثم المسارعة إلى أداء الفرائض والواجبات ثانياً، ثم الاستكثار من النوافل عموماً، وفيما يخص الحجاب، فالتزمي بما هو متفق عليه ولا خلاف فيه، وهو معروف ومعلوم للجميع، ثم ابحثي بعد ذلك في المسائل الخلافية الأقرب للدليل الشرعي، متبعةً المذهب الأقرب لبيئتكِ ومجتمعكِ الذي تعيشين فيه، حتى لا يشكل ذلك حاجزاً بينكِ وبين المجتمع، فإنَّ مراعاة العُرف والعادات المجتمعية مقصد شرعي معتبر، ما لم تصادم أصول الدين وشريعته.

ثالثاً: تزكية النفس بعبادات القلوب والطاعات
أختي الكريمة: لكي يتحقق الثبات في وجدانكِ، لا بد من بناء قلبكِ بالأعمال الصالحة، لتزاحم رغبات الهوى والشهوات، وتصنع في قلبكِ درعاً من التقوى والخشية يحجزكِ عن المعاصي، وأعظم رافد لذلك هو تنمية أعمال القلوب كالإخلاص، والحياء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والمحبة لله تعالى.

وهذه العبادات القلبية تزيد بقدر قرب العبد من ربه، فبادري إلى الأعمال التي تحيي القلوب كالصلاة، وتدبر القرآن وتلاوته، والصدقة، والإحسان إلى الناس، جاء في الحديث القدسي:(وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه).

رابعاً: حراسة القلب وحمايته
بعد التوبة، لا بد من حراسة القلب لحمايته من الانتكاسة أو الفتور، وذلك من خلال الآتي:

- الابتعاد التام عن كل أسباب المعاصي، ومحفزاتها وما يهونها في النفس.
- الالتحاق بالرفقة الصالحة التي تشد من أزركِ، وتدلكِ على الخير، كحلقات حفظ القرآن الكريم، ومجالس طلب العلم.
- تنظيم الوقت واستثماره بما ينفع، كطلب العلم الشرعي، وحفظ القرآن، والأعمال التطوعية المفيدة.
- الدعوة إلى الله تعالى؛ فلا تكتفي بإصلاح نفسكِ، بل بادري إلى إرشاد غيركِ بالحكمة والموعظة الحسنة.
- المحافظة الصارمة على الأوراد اليومية، من قراءة القرآن وذكر الله تعالى.

خامساً: بناء أهداف سامية وطموح مميز.
أختي الكريمة: غياب الهدف يوهن الانضباط ويجعل النفس فريسة سهلة للشهوات؛ لذا من الضروري أن تكون لكِ غاية نبيلة تعيشين من أجلها، وتجتهدين في بلوغ أسبابها، فوجود هذا الهدف يجعل لحياتكِ معنىً عميقاً، ويحفزكِ على اكتساب عادات إيجابية تبنين بها مستقبلكِ بطريقة متميزة.

ختاماً، أختي الفاضلة: ابذلي غاية الجهد في إصلاح ذاتكِ، فكل تغيير حقيقي يتطلب منكِ السعي والجهد، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، فليكن همكِ الأول هو نيل رضا الخالق، لا رضا المخلوقين؛ فالناس تتباين أهواؤهم وتختلف عقولهم، وإرضاؤهم غاية لا تُدرك، بينما الاجتهاد في إرضاء الله يمنحكِ ثقةً بالنفس، ويحقق لكِ قوةً في الشخصية وقناعةً ذاتية.

احذري أختي من لغة اليأس والقنوط وتأنيب الضمير؛ لأنها تسبب العجز، وهي الحالة التي يريدها الشيطان ليوقعكِ في المعاصي، وسوء الظن بالله تعالى؛ لذلك لا تستسلمي لأوهام اليأس، فكل البشر يُخطئ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فبادري إلى الخيرات، وألحي بالدعاء أن يثبتكِ الله، فبالسعي والاجتهاد يتحقق المراد بإذن الله تعالى، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

وفقكِ الله، ويسّر أمركِ لكل خير.

www.islamweb.net