أعيش في جزع وسخط وفقدت الطمأنينة بسبب البلاء الذي أصابني!
2026-04-14 01:40:39 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا رجل قاربتُ الأربعين من العمر، ومنذ طفولتي المبكرة وأنا لا أطيق صبرًا على أبسط مصاعب وهموم الحياة التي قد لا يُلقي لها الآخرون بالًا من الأساس، ولكن مع الوقت بدأتُ أدرك أن الحياة لا تسلم لأحد، وأن الجميع فيها لا يسلم من الهموم والأحزان، فهي في النهاية دار ممر وليست مستقرًّا؛ لذلك قررتُ أن أجعل الآخرة نصب عيني.
وبفضل الله قويت علاقتي مع الله منذ العشرينات من عمري، ومع كل ذلك كنتُ أجزع وأسخط وأشعر بالإحباط واليأس والرغبة في الموت في كل مرة يحلّ بي البلاء، ولكنني كنتُ أعود بعدها إلى الله مستغفرًا، منيبًا، راجيًا عفوه وصفحه، نادمًا على جزعي، وكنتُ أحسّ بالراحة والطمأنينة أن خالق الكون القادر على كل شيء في عليائه يسمعني ويشعر بمعاناتي.
ومع مرور الوقت صقلتُ نفسي قدر المستطاع بالطاعات من صلاة جميع الفروض في جماعة، بالإضافة إلى صلاة النوافل، والصيام، والصدقات، وكثرة الاستغفار، والمداومة على الذكر وقراءة القرآن، والتعوذ من الشيطان؛ حيث لم يكد الاستغفار يفارق لساني، وكنتُ دائمًا ما أسرع إلى الاستغفار والتوبة من أي ذنب أقع فيه، وأعاهد الله ألَّا أعود إليه مرة أخرى بصدق ويقين، مستحضرًا نية نيل فضل الله وبركاته ورضوانه في الدنيا والآخرة.
كنتُ دائمًا أدعو الله أن يثبتني عند البلاء وألا يفتنني في ديني -خاصة مع تدهور أحوال البلد الذي أعيش فيه-؛ حيث أصبحتُ لا أطمح إلى أي شيء في الدنيا غير أن أعيش في ستر منتظرًا انقضاء أجلي على خير، ومع ذلك عندما قدّر الله عليّ الفاجعة المفاجئة التي كنتُ دائمًا أتعوذ بالله منها، لم يكن التوفيق حليفي في أمنيتي الوحيدة، وهي الثبات على الدين عند الفتن؛ حيث بلغ مني الجزع والسخط مبلغًا لم أصل إليه قط.
وعلى عكس ما مرّ بي سابقًا، لا أجد في التوبة والرجوع إلى الله والصلاة وقراءة القرآن الطمأنينة والراحة والسلوان التي كنتُ أجدها بعد الرجوع إلى الله في الابتلاءات السابقة، بل على النقيض، لم يزدني تقرّبي إلى الله إلا حزنًا وألمًا.
أين الخطأ؟ كيف حدث هذا لي بعد كل ما قدمت؟ هل كان في الإمكان أفضل مما كان؟
من عادتي أنني لم أكن أبدا أشكو ما حلّ بي من بلاء إلا إلى الله، ولكن هذه المرة لا أجد عزاءً في الرجوع إلى الله، وقد ضاقت بي الدنيا، ولولا أن لي أخًا صغيرًا أرعاه بعد موت أبي -وهو عائلتي الوحيدة- لقتلتُ نفسي من يأسي في هذه الحياة التي لم أطلب أن يخلقني الله فيها!
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عادل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:
أولًا: أخي الكريم، اعلم أن كل شيء يحصل في هذه الدنيا إنما يسير وفق قضاء الله تعالى وقدره، وأن أقدار الله كلها خير للإنسان، وإن بدا له لأول وهلة أن ذلك شر، فسوف يتيقن بعد مدة أن ذلك كان خيرًا له مما لو لم يحصل، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقال ﷺ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»، ولَمَّا خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ»، والكيس الفطنة.
من كمال الإيمان أن يؤمن الإنسان بقضاء الله وقدره، وذلك هو الذي يزرع الطمأنينة في القلب، فما من مصيبة تنزل بالعبد، مرض أو ضيق في الرزق أو غير ذلك، إلَّا وكتب الله له بها الأجر إن رضي واطمأن وصبر، وكان في ذلك تكفيرًا لذنوبه، يقول ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذَىً وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
الجزاء يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، والابتلاء عنوان محبة الله للعبد، يقول ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، فعليك بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.
الإنسان المؤمن يتقلب بين مقامي الشكر والصبر، والحياة لا تستقر على حال، قال ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
ما تعيشه حاليًا ليس ضعف إيمان فقط كما قد تظن، بل هو صدمة نفسية واحتراق إيماني؛ فالإيمان يقوى ويضعف ويزداد وينقص، ولعل من أسباب ما تعانيه أنك كنت تبني علاقة قوية مع الله لسنوات، وتُعد نفسك للابتلاء، وتتمنى الثبات، فلما جاءت الفاجعة الكبيرة انهار البناء النفسي دفعة واحدة، وهذا يسمى نفسيًا: انهيار التوقعات الروحية؛ فأنت كنت تتوقع أن الطاعة ثبات دائم، لكن الواقع أن الابتلاء الكبير قد يزلزل بعض الصالحين.
ثانيًا: لماذا فقدت الطمأنينة؟
أنت لم تفقد الطمأنينة لأنك ابتعدت عن الله، ولكن الخطأ الذي وقعت فيه هو أنك لم تستشعر أن حلول البلاء بالعبد من علامات حب الله له، ففي الحديث الصحيح: أنه حين سأل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
ومن الأخطاء التي وقعت بها أنك ربما ظننت، أو وقع في نفسك، أن كثرة العبادات والتقرب من الله ستكون سدًّا منيعًا أمام الابتلاءات، وكذلك عدم رضاك بما نزل بك، وحصول شيء من التسخط، هو الذي سبب لك الانهيار النفسي وفقدان الشعور بلذة القرب من الله سبحانه، وإلَّا فإن أفضل السعادة الشعور بالقرب من الرب سبحانه، والتلذذ بمناجاته، وخاصة في أوقات الشدة.
أنت الآن مرهق من شدة الألم، وإنما مثلك مثل شخص جريح يتألم بشدة، فلا يشعر بلذة الطعام رغم أنه يحتاجه؛ فالطاعات التي تؤديها الآن صحيحة، لكن ألم قلبك أفقدك استقبال أثرها.
ثالثًا: أين الخطأ؟
يبدو أن عندك فكرة خاطئة تحتاج إلى تصحيح؛ فليس صحيحًا أن المشكلة أنك قصَّرت، وليس صحيحًا أنه "كان يمكن أن تكون أفضل"، بل الحقيقة هي أنك وصلت إلى مرحلة من البلاء تحتاج صبرًا من نوع أعلى لم تمر به سابقًا، وهذا ما ذكرته لك سابقًا، وهنا أذكرك بأنه حتى الأنبياء قالوا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}، وقال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
رابعًا: لماذا اشتد الجزع هذه المرة؟
السبب -أخي الكريم- أن البلاء أشد وأعمق، وكذلك ما عندك من تراكمات نفسية قديمة منذ الطفولة، كما ذكرت في استشارتك؛ فقد اجتمع عندك ألم قديم وصدمة قوية جديدة، فحصل هذا الانفجار النفسي الداخلي.
خامسًا: كلمة خطيرة قرأتها في كلامك، وهي قولك: "لولا أن لي أخًا صغيرًا لقتلت نفسي"، فاحذر من هذه الأفكار؛ فقتل النفس ليس أمرًا هينًا، فنوصيك بالصبر والرضا، وكثرة الدعاء بأن يصرف الله عنك السوء، وردد في أدعيتك: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ».
سادسًا: خطوات عملية تحتاجها:
1- لا تُجبر نفسك على "الشعور"، فلا تقل: لماذا لا أشعر بالطمأنينة؟ بل قل: سأستمر بالطاعة والدعاء والقرب من الله، حتى لو لم أشعر بلذة القرب.
2- غيّر نظرتك للطاعة؛ فالطاعة ليست لذة فقط، بل هي عبادة، ومن ثمار العبادة اللذة، وهي قد تحصل وقد لا تحصل، وإن لم تحصل فالاستمرار بالعبادة واجب، والثبات مطلوب، وهذا أعظم عند الله تعالى؛ ولذلك من الدعاء المأثور: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قَلْبِي إِلَى طَاعَتِكَ».
3- اسمح لنفسك أن تحزن؛ فالحزن ليس عيبًا، والمثالية الزائدة غير مطلوبة؛ فالأنبياء عليهم السلام أقوى إيمانًا منا، وهم أحب الخلق إلى الله، ومع هذا أصابتهم الهموم، ونزلت بهم الفواجع، فصبروا وحزنوا، فهذا نبينا ﷺ لَمَّا مات ولده إبراهيم قال: «إِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا»، ولَمَّا مات عمه أبو طالب حزن، وهذا نبي الله يعقوب قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}، وفي الحديث: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذَىً وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، فقد أثبت النبي ﷺ أن المؤمن يحزن.
4- لا تعزل نفسك وتبتعد عن الناس؛ ففي مثل هذه الحال أنت تحتاج إلى شخص تثق به، كصديق أو قريب؛ لأن الألم إذا بقي مكبوتًا في النفس قد يتضخم ويسبب لك حالة نفسية، وهذا ما لا نريده.
5- هذه الحالة تحديدًا تحتاج: انتبه من أن تقع في هذا الفخ، وهو قولك: "كيف حدث لي هذا بعد كل ما قمت به من الأعمال الصالحة؟"، فهذا الكلام يشعر بأنك جعلت الطاعات مقابل ضمان نفسي، بينما الحقيقة أن الطاعات ليست ضمانًا لعدم الألم، بل هي قوة لتجعلك تتحمل الألم وتصبر على مرارته.
6- خطوات عملية مهمة:
• استمر في أداء العبادات من صلاة وصيام فرضًا ونفلًا، ودعاء، وتلاوة للقرآن، واحذر من أن يأتيك الشيطان الرجيم فيجعلك تنصرف عنها؛ فأنت في اختبار صعب.
• ركّز على دعاء الكرب، وكرره عدة مرات في اليوم والليلة، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».
• أكثر من دعاء ذي النون؛ فقد ورد في الحديث: دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ.
سابعًا: كلمة طمأنة:
أخي الكريم، أنت لم تسقط، بل تتعرض لاختبار في أعمق نقطة فيك، والحمد لله أنك رغم ما حدث ما زلت على خير، بدليل أنك ما زلت تصلي، وتلجأ إلى الله تعالى، وتبحث عن حل للخروج مما وقعت فيه؛ فحالك ليست حال شخص بعيد عن الله، بل هي حال إنسان في قلب المعركة، وسوف تخرج سالمًا بإذن الله تعالى؛ والبلاء الذي تمر به دليل محبة الله لك، يريد أن يرفع درجاتك من خلاله.
أسأل الله تعالى أن يرفع عنك ما تجد، وأن يشرح صدرك، ويرضيك بقضائه وقدره، ويقذف في قلبك حلاوة القرب منه، إنه سميع مجيب.