الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد تحملي لكل مسؤوليات البيت والأطفال عن زوجي اكتشفت خيانته!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنت أرسلت استشارة سابقة، بأني تزوّجت منذ سبع سنوات، وأنجبت طفلي الأول بعد عام، ثم أُصيب زوجي فأصبح غير قادر على المشي، فحملتُ وحدي مسؤولية العمل والبيت وعلاجه دون أن أُشعره يومًا بأنه عبء.

عملتُ لساعات طويلة، وربّيت أطفالي، وأنجبت طفلين آخرين، وكنت أسانده بكل ما أملك حتى تعافى في نهاية العام الماضي.

بعد تحسّنه، خفّفتُ عملي دون أن أخبره، رغبةً في مفاجأته، لكنني صُدمت حين اكتشفتُ أنه يلتقي بامرأة أخرى، ويكذب عليّ.

عندما واجهته، اعترف بعدم سعادته معي، وجرحني بكلامه، وتحوّل الأمر إلى خلافات عنيفة، ورفض الطلاق.

الآن أعيش صراعًا مؤلمًا بين حبي له وكرامتي، بينما أطفالي الذين تأثروا بشدة، وأصبحوا أقرب إليه مني، ويرفضونني، وأنا لم أوضح بعض التفاصيل فعلاً.

زوجي لم يكلم هذه المرأة لغرض الزواج، هو أصلاً لا يملك المال للزواج، ولم يكن يكلمها هي فقط، بل كانوا فتيات كثيرات.

أما بالنسبة لأطفالي: فأنا لم أعاملهم بقسوة، لأني لم أكن أراهم دائمًا؛ فأنا أعود من العمل متأخرة، ومن الطبيعي يكون ميلهم ناحية والدهم، غير أنني لا أجد وقتًا لهم، والتغير الذي حصل في معاملتهم لي لا أعرف سببه! وابني الذي أصبح يقول لي بأنه لا يحبني، لم يكن يقول ذلك من قبل.

لم يكن في بالي غير زوجي، كنت أريده أن يتعالج ويعود كما عرفته، حتى أنني لم أكن أرغب في الإنجاب أصلًا، لكنه أصر علي، وأنجبت من أجله، وفي مرضه أنجبت الطفلين لأجله أيضًا؛ حتى لا يشعر بالوحدة، وكل شيء عملته كان من أجله.

المشكلة بدأت منذ شهر فبراير، وإلى الآن، لم يكلم الأطفال، ولم يسأل عنهم -الأطفال معي-، وقد أعرضت عن فكرة الطلاق، وأريد أن أعتذر له، لكنني لا أعرف أين يعيش الآن؛ لأننا تزوجنا بدون رضا أهله، فقطعوا علاقتهم به.

ولنفترض أننا رجعنا لبعضنا، هل أقعد في البيت مع الأطفال مثل الأمهات، وزوجي هو من يعمل، وحتى لو أثر ذلك على الأطفال؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زينب حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حياكِ الله -أختي الكريمة-، وقد طرحتِ في استشارتك مجموعة كبيرة من الأمور، والتي تحتاج إلى تناول:

أولاً: يهمني أن تخرجي من حالة التضحية اللامتناهية التي تعيشين فيها؛ والتي تجعلك في حالة من عدم التوازن بين ما لكِ وما عليكِ، فالزوج -أختي الكريمة- له حقوق كبيرة جدًا على زوجته، وفي المقابل الزوجة لها حقوق كبيرة على زوجها، وحياة كل طرف منهما ليست رهينة للآخر، ولا ملغية له، ولا مقتصرة عليه.

هذا الكلام لا أقوله تشجيعًا لك على الانفصال، أو الزهد في زوجك، كلا، وإنما أقوله حتى يكون لديك استعداد نفسي لجميع الاحتمالات المستقبلية بينك وبين زوجك، وخاصة أن بعض هذه الاحتمالات لا تملكين أنتِ القرار فيها، فقد يفاجئك مثلاً بعدم الرجوع لك، أو بتطليقك بالفعل، أو غير ذلك مما لا نتمناه لك، ولكنه يبقى في دائرة المحتمل، وفي حال وقوعه -لا قدر الله- فإن ذلك ينبغي أن لا يكون نهاية الحياة بالنسبة لك، بل ربما كان هو البداية، قال تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته).

فالإسلام -أختي الكريمة- عظم لنا من شأن الأسرة، وعظم لنا الحقوق الزوجية، وبغض لنا الفراق والطلاق، وحرص على سد أبوابه، ولكنه مع ذلك جعله بابًا أخيرًا نلجأ إليه عندما تتعثر أسباب الحياة، وتتحول إلى جحيم لا يطاق، أو إلى استغلال من طرف لآخر، وإيماننا بالقضاء والقدر، وبرحمة الله وتدبيره لنا هو الذي لا يجعلنا أسرى فكرة الخوف من المستقبل من دون شخص ما.

ثانيًا: من المهم أن تستعيدي حالة التوازن لديكٍ؛ التوازن الذي يجعلك لا تفكرين بجانب على حساب آخر، أولادك شيء مهم جدًا في حياتك، وكذلك زوجك، وقبلهما نفسك وروحك؛ ولقد جاء في الحديث: (إن لنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا،.. فأعط كل ذي حق حقه)، إن هذا التوازن سيعصمنا بحول الله تعالى من صدمات حادة في حياتنا، ولن يجعل من فشلنا في جانب -لا قدر الله- سببًا في الشعور بضياع كل شيء.

ثالثًا: سألت عن خروجك للعمل من عدمه في حال رجوعه إليكِ، والحقيقة هذا السؤال فيه تأكيد على أنك لم تستطيعي التخلص من صفة التضحية الزائدة، وإن عمل الرجل، وتفرغ المرأة لبيتها وأبنائها هو الأصل الذي يتسق مع الفطرة والدين، وما حصل من طارئ لكِ بسبب مرض زوجك انتهى بانتهاء مرضه، فتفكيرك في البقاء في أداء الدور المعيل للبيت هي تضحية في غير مكانها، وثقي -أختي الكريمة- أن ذلك لن يكون إلا على حساب حق أبنائك عليكِ، وحق نفسك عليكِ كذلك، أرجو أن تراجعي مشاعرك، ولا تجعليها المتحكمة في حياتك.

رابعًا: أتمنى أن تجعلي من قضية أبنائك قضية مركزية هامة، أصلحي العلاقة معهم، ولا تجعلي مشاكلك مع زوجك تؤثر عليهم، ربما يكون قد حصل هذا التأثير بالفعل، ولكن لا بأس حاولي أن تجعليهم ضمن أهدافك؛ فهم عوضك وسندك، وإن استطعتِ أن تعزليهم عن مشاكل والدهم معك فحسن.

وأخيرًا: ما يتعلق برجوعك لزوجك: مبدأ الصلح، والرجوع، والحفاظ على البيت يعتبر أمرًا هامًا أشجعك عليه، وحرصه على أن لا يحصل بينكما طلاق هو أمر يحسب له، ولكن ذلك كله ينبغي أن لا يكون على حساب أي قضية كبيرة لا تستقيم حياتكما معها؛ فاستمراره في علاقات مفتوحة مع النساء كما تفضلتِ، أو استمرارك في العمل والصرف على البيت بحجة الحفاظ على العلاقة بينكما، هذا أمر مرفوض وخاطئ في نظري على الأقل، وهو لن يحفظ لك بيتك على المدى البعيد، بل ربما لجأتِ مرة أخرى إلى طلب الطلاق بعد فترة ما، ولكن بعد أن تكوني قدمتِ مزيدًا من التضحيات، مع المزيد من الإرهاق النفسي.

لا بد أن نفرق بين ما ينبغي أن نتنازل عنه من حقوق، وبين ما لا ينبغي أن نتنازل عنه، من الجيد أن تتنازلي عن مستوى معين من الوضع المادي، أو السكن، أو تحمل وضع صحي معين، أو ما شابهه، لكن ليس صحيحًا أن تتنازلي عن قضايا شرعية تمس عفة زوجك كعلاقاته النسائية، أو تمس رجولته كقعوده عن الصرف على البيت.

أسأل الله أن يختار لك الخير، ويهيئ لك ما تحبين، ويصلح ما بينك وبين زوجك على الحال الذي يسعدك ويرضيك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً