الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عادة سرية ومشاكل أسرية وتأخر زواج.. كيف أخرج من هذا الضيق؟

السؤال

السلام عليكم.

أمارس العادة السرية، وأحاول أن أتوب منها، وكذلك أعاني من مشاكل عائلية، وسوء تصرف أبي معنا، ومع كل هذا فإن الزواج يتأخر، وكذلك الذين يخطبوني لا يتم الأمر معهم، فبماذا تنصحونني؟ أنا فتاة مواظبة على الصلوات الخمس والأذكار، وأحاول بكل مقدوري أن أكون أقرب إلى الله.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تمرين بمرحلة من الضغوط المتراكمة؛ بين محاولة الإقلاع عن العادة السرية، ومعاناتك من ظروف أسرية صعبة، وانتظار الزواج الذي تأخر، وأنت في هذا كله تحافظين على صلواتك، وأذكارك، وتسعين للقرب من الله؛ هذا وحده يدل على قلب حي يتوق إلى الصلاح، ونفس لم تستسلم رغم كل شيء، فأحسني ظنك بربك فهو لا يُضيع هذا السعي أبدًا.

أولاً: أختي الكريمة، أحسنت حين جعلت التوبة هدفًا لك؛ فهذا السعي في حد ذاته نور يدل على حياة القلب، كثيرات من النساء يعانين من هذه المشكلة في صمت، والعادة السرية من الناحية النفسية ترتبط في الغالب بعوامل عدة منها: الضغط العاطفي المتراكم، والفراغ، والحاجة إلى تفريغ التوتر، وأحيانا تعود إلى أنماط تعلمتها النفس وصار من الصعب الإقلاع عنها بشكل مفاجئ، فهي ليست دليلاً على ضعف الإيمان بالضرورة، بل هي تحدٍّ نفسي يحتاج إلى خطة وصبر وإرادة.

ومن أعظم ما يُعينك على التوبة والإقلاع قول الله عز وجل: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الزمر:53).

ومن الخطوات العملية التي تُعينك -بإذن الله-:
الخطوة الأولى: هي تحديد المحفزات؛ لاحظي متى تحدث هذه العادة غالبًا: هل في وقت الفراغ؟ أو عند الضغط النفسي؟ أو بعد متابعة محتوى معين؟ فمعرفة المحفز هو نصف الحل.

الخطوة الثانية: هي تعديل البيئة؛ ابتعدي عن أي محتوى رقمي يُحرك هذه الدوافع، وضعي على أجهزتك برامج حماية وفلترة.

الخطوة الثالثة: هي ملء الفراغ؛ احرصي بشكل خاص على ألا تكوني وحدك في أوقات الليل المتأخرة، واملئي وقتك بالقرآن والذكر والعمل المفيد.

الخطوة الرابعة: هي الصيام؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن لا يستطيع الزواج: (فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، فالصيام يُضعف الدافع ويُقوي الإرادة.

الخطوة الخامسة: هي التوبة المتكررة؛ إن وقعت فلا تيأسي، بل تُوبي وانهضي فورًا، فالمؤمن لا يستسلم، والله يفرح بتوبة عبده أعظم من فرح الضائع الذي وجد ضالته في قفر مُهلك.

إن شعرت أنك لا تقدرين على السيطرة على هذا الأمر بمفردك، فلا حرج ولا خجل في استشارة متخصصة نفسية تُعينك، فطلب العون شجاعة لا ضعف.

ثانيا: أختي الكريمة، البيت الذي يعلو فيه الصوت، وتسوء فيه المعاملة يُثقل الروح، ويُنهك النفس، وما تشعرين به من الألم طبيعي تمامًا، والأب مهما كان سلوكه يبقى أبًا، وهذا يجعل الأمر أكثر تعقيدًا من الناحية العاطفية. يقول الله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ (الإسراء: 23). الآية تأمر بالإحسان لا بالقبول الصامت للإساءة؛ فالإحسان يعني تجنب الرد بالمثل، والحفاظ على الكرامة في التعامل.

وعليك بتجنب المواجهات المباشرة في لحظات التوتر، واختاري أوقات الهدوء حين تريدين التعبير عن شيء، وإن كان في المحيط أحد من الأقارب الكبار كالعم أو الجد ممن يحترمه أبوك، فقد يكون لكلامه أثر أعمق، واعلمي أن الدعاء لوالديك حتى في أوقات الألم هو من أجمل ما يُلين القلوب، ويُبارك في الأمور.

ومن الناحية النفسية، احرصي على أن يكون لديك مساحة للتنفيس؛ سواء في الكتابة في مفكرة خاصة، أو في حديث مع صديقة مؤتمنة؛ لأن الألم المحبوس داخل النفس يتحول مع الوقت إلى عبء أثقل.

ثالثًا: أختي الكريمة، تأخر الزواج أمر يؤلم، ولا سيما حين يتقدم الخاطب ثم لا يكتمل الأمر، لكن اعلمي أن الأرزاق ومنها الزواج بيد الله وحده، وله في تأخيرها حكمة ربما لا تُرى في لحظة الانتظار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).

واملئي هذه المرحلة بما يرفعك: بالعلم، والعمل الصالح، والنمو الشخصي، ولا تجعلي حياتك قائمة على انتظار ما لم يأتِ بعد، وحين يتقدم خاطب، استعيني بمن تثقين برأيه من أهل الخبرة والحكمة في التقييم، وأكثري من الدعاء بالزوج الصالح؛ فإن دعاء العبد في أوقات السحر وعند السجود من أكثر ما تُفتح به الأبواب المغلقة.

ولا يفوتنا أن نوضح أن تراكم هذه الضغوط معًا قد يكون هو السبب الأعمق لبعض ما تعانين منه؛ فالنفس حين تُرهق بالهموم تبحث عن مخرج؛ لذا فإن معالجة الجذر الأسري والنفسي ستُعينك كثيرًا على تجاوز التحديات الأخرى، وقد قال الشاعر:
بَصُرتُ بِالرّاحَةِ الكُبرى فَلَم أَرَها تُنالُ إِلّا عَلى جِسرٍ مِنَ التَّعَبِ

في الختام أختي الكريمة: أنت في مرحلة صعبة تجتمع فيها تحديات متعددة، لكنك لست وحدك؛ فمن كانت مواظبة على صلواتها وأذكارها، وتسعى للقرب من ربها، فهي في حماية لا تُرى لكنها حقيقية، وما أجمل قلبًا لم تُمته المحن رغم كل ما يمر به، ثقي أن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً