الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخواتي لا يردنني أن أناصح أمي خوفًا على صحتها، فما رأيكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أمي سيئة الأخلاق، كثيرة الغيبة والطعن في القريب والبعيد، كثيرة الاستهزاء بالناس، سيئة التعامل معنا خصوصًا في الماضي، شديدة التسلط، كثيرة المضايقة للوالد، -لدرجة أنه أحيانًا يضطر للاعتذار وهو غير مخطئ، فتتفاخر بأنها قهرته-! كثيرة الأخطاء التربوية، تحب افتعال المشاكل والفتن، خصوصًا بسبب الملل وعدم وجود موضوع محدد.

تستمتع بأن تراك حزينًا، وتستمتع بإذلالك أمام إخوتك أو الغرباء، لا تتفهم أي مشكلة تخصك بل تسعى لمفاقمتها، لا تقبل أي أعذار، تفشي كل أسرارك حتى للغرباء، تحب النقد في كل صغيرة وكبيرة، وغير قابلة للنصح، والنصح معها قد يؤدي إلى نتائج عكسية في كثير من الأحيان، وكثيرة الانحياز خصوصًا لأخواتي، قليلة التفهم، شديدة التعصب لآرائها.

ومن أساليبها: ليس لها رأي ثابت في مسألة معينة، بل تنتظر حتى ترى رأيك لتفعل ضده، وكذلك تقوم بتغيير الكلام الذي يُقال لها -أو فهمه بالطريقة التي تريدها-؛ من أجل إثارة المشاكل.

أخي الأكبر مصاب بحالة نفسية شملت الاكتئاب، وترك العمل والدراسة سنوات طويلة (16 سنة)، والسبب الأساسي هو تعامل الوالدة، وجميعنا مصاب بمشاكل نفسية بنسب متفاوتة.

إذا نُصحت في كثير من الحالات تكون النتيجة عكسية، وأحيانًا يصل الأمر إلى غضب غير طبيعي، مع شنّ حملات عليّ بسبب النصيحة.

وبالنسبة لوقوعها في الغيبة وسوء معاملة الزوج تحديدًا، فقد قمت بمبادرات أدت إلى استجابة لا بأس بها، لكن خلافي مع أخواتي أنهنَّ ينهينني عن ذلك خوفًا على صحتها، أمَّا رأيي أنا فكان محاولة النصح، وإيجاد السبل التي قد تؤدي للاستجابة قدر المستطاع وبشتى الوسائل، وعدم ترك الأمر مطلقًا؛ فهل أنا مصيب؟

هل هناك مانع شرعي أو صحي أو نفسي يمنع من نصحها والمحاولة في ذلك؟ أم نُغلِّب جانب الخوف، لأن النصح قد يُؤدِّي إلى نتيجة كارثية كما تقول إحدى أخواتي؟ وإذا لم ننصحها -وأنتم تعلمون إثم بعض الذنوب كالغيبة، وإساءة معاملة الزوج يوم القيامة- فما الحل إذن؟

مع العلم أنني استشرت طبيبًا نفسيًا في المسألة، ولم أحصل على إجابة.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسين، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابًا على سؤالك أقول كالآتي:

أولًا: أخي الكريم، مما لا شك فيه، ولا ريب، أن الإنسان لا يجوز له أن يتكلم عن أمه بهذا الشكل المريع الذي تكلمت به، واصفًا أمك بالعبارات الشديدة؛ وقد أكثرت من هذه الألفاظ القاسية على أمك من خلال رسالتك الطويلة، ولا داعي لأن أذكِّرك بهذه الألفاظ.

ولكن الذي أحب أن أقوله لك: أن تتقي الله في أمك مهما كثرت أخطاؤها تجاهك، وتجاه أبيك، وإخوانك، فالأم تظل هي الأم، منبع الحب والحنان، ومعاملتك لها لا تكون معاملة الند للند، وإنما أنت ولدها، وفلذة كبدها.

ثانيًا: أخي الكريم، أنا أيضًا أُقدر مشكلتك، وأعرف ما تعانيه، وهذا ابتلاء من الله تعالى، فقد يبتلي الإنسان بأقرب الناس إليه؛ ولذلك عليك بالصبر الجميل، لا سيما مع أمك، ولا تنسَ أن الله تعالى قد أوصانا بالوالدين إحسانًا، وخاصة الأم، قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، والإحسان إلى الوالدين هو كما قال القرطبي: "الْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بِرُّهُمَا ‌وَحِفْظُهُمَا ‌وَصِيَانَتُهُمَا وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمَا وَإِزَالَةُ الرِّقِّ عَنْهُمَا وَتَرْكُ السَّلْطَنَةِ عَلَيْهِمَا".

والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- حديث الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌مَنْ ‌أَحَقُّ ‌النَّاسِ ‌بِحُسْنِ ‌صَحَابَتِي؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبُوكَ».
- وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ».

ثالثًا: أمَّا ما ذكرته من إيذاء الوالدة لك، ولأبيك وأخيك بالألفاظ المسيئة، فعليك بالصبر على هذه الإساءات؛ فالوالد والوالدة ليسا كغيرهما من الناس، فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما، والإحسان إليهما، ولو كانا كافرين مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما، وصده عن الحق، وردُّه من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.

فالمقصود من هذا كله: بيان منزلة الوالدين، وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد- أو البنت- الإساءة إلى الوالدين، والسعي في إيذائهما، أو إلحاق الضرر بهما وإن أساءا إليك، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء، وأوصيك بالصبر على كلام أمك لك، فالصبر عاقبته إلى خير، إن شاء الله.

رابعًا: حاول التغاضي عن أفعال أمك؛ لأن أخذ هذه الأمور بحساسية يولد أمراضًا نفسية، وإذا فقد المسلم الصبر، أتت عليه الأسقام، وقد أوصانا الله تعالى بالصبر فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

وفي الحديث يقول النبي ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»، وأنت مأجور، وأجرك عظيم في الصبر على ظلم الوالدة، هداها الله.

خامسًا: بالنسبة لنصيحة أمك، فلا بأس بها ما دامت في إطار الحكمة، والنصح الهادف، وبالتي هي أحسن، مع عدم الإكثار؛ لأنه قد يؤدي إلى الضجر، وليكن نصحك لها منفردًا، وليس أمام أبيك وإخوانك، وبالطبع مع النصيحة الهادفة، بيِّن لها خطورة الغيبة، وأنها مظالم، وأنك تخاف على حسناتها، فالمظالم يوم القيامة تُقضى بالحسنات، فأظهر لها شفقتك، وشدة خوفك عليها.

ختامًا: أسأل الله أن يوفقك للبر بأمك وتحملها، وأن تكون أداة إصلاح بينها وبين الأسرة، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً