الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تراودني وساوس بأني دفنت جدتي وهي حية!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تراودني وساوس بعد أن توفيت جدتي بأنها لم تكن ميتة، وأنها كانت حية؛ لأنه عند موتها كنت نائماً، واستيقظت فوجدت أمي تقول لي: جدتك توفيت، ولم أجد حينها أي طبيب للتأكد من أنها توفيت، فبعد أن اجتمع الناس لم يكن لدي خيار آخر سوى أن أدفنها، خاصة أنها كانت لا تتنفس ولا تصدر أي حركة، مع العلم بأن أبي مسافر خارج البلاد، وأعمامي لم يكونوا مكترثين لأمرها، فكنت حينها مسؤولاً أمام الله عن الموقف.

وبعد دفنها كانت تأتي لي في المنام وتقول لي إنني من دفنتها، وكانت تأتي لأمي ولأخي ولأختي في الحالة نفسها، هل سأحاسب على ذلك أم ماذا؟

أرجو الرد في أسرع وقت.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عزام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:

أسأل الله سبحانه أن يرحم جدتك رحمة واسعة ويغفر ذنبها، وأن يرفع درجتها في الجنة، وأن يطمئن قلبك ويصرف عنك هذه الوساوس.

أولًا: الحكم الشرعي فيما فعلته:

كن مطمئنا أن ما فعلته هو عين الصواب ولا إثم عليك فيه، بل أنت مأجور على حرصك وقيامك بالمسؤولية تجاهها.

الأحكام الشرعية تبنى على الظاهر لا على الشك والاحتمال، فجدتك انقطع نفسها ولم تعد تتحرك، ثم إن والدتك أخبرتك أنها توفيت، وقد رأيت ذلك بنفسك، وعليه فأنت لم تتعمد خطأً، بل تعاملت مع ظاهر الحال.

من رحمة الله بعباده أنه لا يُطالبهم بما هو خارج قدرتهم، قال الله تعالى: "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"، والظاهر من حالك أنك كنت حريصًا وشعرت بالمسؤولية وقمت بما يفعله الناس عادة في مثل هذه الظروف، فلا ذنب عليك، ولا تُحاسب على ذلك -بإذن الله-.

ثانيًا: تشخيص ما تشعر به:

الذي تعاني منه هو وسواس قهري بعد الصدمة، وليس حقيقة واقعية، وهذه الوساوس لها أسباب واضحة منها:

1. صدمة الفقد المفاجئ.
2. شعورك بالمسؤولية وحدك في الموقف.
3. عدم وجود طبيب زاد الشك الداخلي.
4. تأنيب الضمير الطبيعي بعد الوفاة.

بعد الدفن جاءك الوسواس وزرع في عقلك الشك في موت جدتك، فبدأ عقلك يقول: "ماذا لو كانت جدتي حية؟ ماذا لو أخطأت في دفنها؟"، وهذا ما يسمى بالتفكير الوسواسي الاحتمالي، وليس حقيقة.

ثالثًا: بخصوص الرؤى:

رؤيتك لها في المنام وهي تقول لك أنت دفنتني، وكذلك رؤيتها عند أمك وأخوتك هذا ليس دليلًا على أنها كانت حية، فالأحلام بعد الوفاة غالبًا تكون بسبب الحزن والشوق وانشغال العقل والتفكير المستمر، وقد يرى أكثر من شخص نفس المعنى؛ لأنكم جميعًا تعيشون نفس الحالة النفسية والحزن، وربما أخبرتهم بما يدور في عقلك من شكوك فالتصقت في عقولهم، وبدأوا يفكرون نفس تفكيرك، ولذلك جاءت الرؤى متطابقة، والشيطان حريص على إيجاد تلك الشكوك والوساوس في النفوس، غير أن الرؤى لا تبنى بها الأحكام الشرعية.

رابعًا: قولك هل سأحاسب:

الجواب: لن تحاسب، بل أنت مأجور على قيامك بما يجب، ولم تقصر في حق جدتك -رحمها الله تعالى-، ولم ترتكب خطأ في حقها، ولو افترضنا أنك فعلت أمرًا خطأ فالإثم عنك مرفوع.

خامسًا: خطوات عملية مهمة للخروج من هذه المحنة:

1- لا تناقش الفكرة، وكلما جاءتك فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وقم من المكان الذي جاءتك فيه، واشغل نفسك بأي عمل نافع.

2- لا تحاول البحث عن يقين بعد ما دفنت جدتك؛ لأن ذلك أمر مستحيل، ولا تسأل طبيبًا ولا في الإنترنت عن إجابة لتساؤلك؛ لأن ذلك مما يغذي الوسواس ويثبته.

3- تجاهل الفكرة تمامًا، فالتجاهل هو العلاج الأقوى، ولا تصغ للفكرة ولا تتحاور معها؛ لأن الإصغاء يعقبه التحاور، وذلك هو سبب الوقوع في الوسواس.

4- بدلًا من التفكير فيما حدث أكثر من الدعاء لها والصدقة عنها، وهذا هو الذي ينفعها حقيقة.

5- إن استمرت الوساوس بشدة فلا بد حينها من الذهاب إلى طبيب مختص بالأمراض النفسية، فالوساوس علاجها متوفر وآمن في الغالب إن سار المصاب وفق ما يصفه الطبيب، غير أنك إن عملت بما سبق من التوجيه فلن تحتاج للذهاب للطبيب.

سادسًا: تطمين لقلبك:

ما يحدث لك ليس بسبب خطأ وقعت فيه، وإنما هو ناتج بسبب أنك إنسان حساس وتحملت عبئًا ربما فوق طافتك في حال تخلى فيه أقرب الناس عن جدتك، فلا تجعل الشيطان يحول هذا الموقف إلى عذاب نفسي دائم، فأنت قمت بواجبك الشرعي.

أخيرًا: نوصيك بالهدوء التام، والانشغال فيما ينفعك في دينك ودنياك، وأكثر من الدعاء لجدتك، وأوص أولادها بالدعاء لها وعمل الصدقات الجارية، كمصحف يوضع في المسجد، أو سقيا الماء وما شابه ذلك.

أسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك القلق، ويرحم جدتك رحمة واسعة، وأن يرفع درجاتها في الجنة إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً