الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أخاف من الموت والمرض وأتردد عند فعل كل شيء، فما العلاج؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر 22 عامًا، أعاني من قلقٍ وتوترٍ وتفكيرٍ مفرطٍ ومستمر، ولا أدري ما الذي أصابني فجأة، منذ أن أستيقظ حتى أنام وأنا أفكر أنني سأموت، وإذا أردت أن ألبس ملابس تأتيني أفكار تمنعني، وكأن شيئًا سيحدث، وأحيانًا أرى نفسي يُصلَّى عليّ، وأخاف من كل شيء، وأصبحت لا أخرج من البيت، ولا أريد الجلوس أو الاختلاط مع الناس، وكرهت كل شيء، حتى صديقاتي، ولا أرغب في الكلام.

أعاني من إرهاقٍ شديد جدًّا، ولا أريد أن أتحرك من مكاني، وأحيانًا أنسى ولا أفهم بسرعة، كل أفكاري تدور حول أنني سأموت قريبًا، ولم أعد أفهم كما كنت، وفقدت شغفي ورغبتي في كل شيء، والله تعبتُ لدرجة أن عقلي يؤلمني، وأشعر بضغطٍ على رأسي.

أصبحت لا أستطيع أن أتخيل أنني سأتزوج، رغم أن عددًا كبيرًا جدًّا يتقدم لي، لكن أبي يرفض، وعندما خُطبت فسخت خطبتي.

وأحيانًا عندما أريد أن ألبس أحتار وأخاف، لدرجة أنني أفكر أن أخرج دون ملابس، وعندما أريد فعل شيء أحتار: أأفعله أم لا؟ وتأتيني أفكار تقول: لا تفعلي، ستموتين إذا فعلتِه، أو حتى عند الكلام، وقد وصل بي الحال إلى أنني فكرت في الانتحار، لقد تعبت والله.

أحيانًا أخاف أن أُصاب بمرض، وأخاف من كل شيء، كرهت كل شيء، وعندما أقرأ سورة البقرة أشعر بحرقة في بطني ومعدتي، مع كثرة التثاؤب، ولا أعرف السبب.

ساعدني يا شيخ، الله يوفقك، وآسفة على الإطالة، وأرجو المساعدة من فضلك، وفقك الله.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرًا على استشارتك التي اطلعت عليها بكل تفاصيلها، وسؤالك الذي أسهبت فيه عمَّا تحسِّين به من قلق وخوف من الموت، وما تطورت إليه من أحاسيس مختلفة؛ لدرجة عدم الرغبة في الكلام، والإرهاق، والأفكار الوسواسية المختلفة، والأفكار السلبية، والتي تؤدي أحيانًا إلى التفكير في الموت أو الانتحار، عياذًا بالله.

كل هذه الأعراض التي ذكرتها، تُشير إلى أن هناك حالة من الاضطراب النفسي الذي يحتاج إلى التدخل أو العلاج، والأعراض التي ذكرتها قد لا تصب فقط في اضطراب القلق، وإنما قد تمتد إلى اضطراب الوجدان أو الاكتئاب، أو أن يكون الاكتئاب والقلق متلازمين أيضًا.

ولكن في كل الأحوال، طالما أن المسألة وصلت إلى درجة التفكير أحيانًا في الانتحار؛ فإنه لا بد من اتخاذ الإجراءات التي تساعدك على الخروج من هذه الحالة النفسية التي تتطلب العلاج.

ولذلك أول خطوات العلاج دائمًا نبدأ بها، هي عملية التقييم وزيارة الطبيب، صحيح أنك ذكرت أنك حاولت بنفسك قراءة القرآن، وهذا قد يكون شيئًا إيجابيًا، وقد يساعدك كثيرًا على التخلُّص من كثير من القلق والأفكار السلبية، ويعيد لك ثقتك بنفسك وفي الله سبحانه وتعالى؛ ولكن ما ذكرت من أعراض وآثارها على نفسك بدرجة كبيرة، لدرجة أنها جعلتك أكثر انعزالًا في البيت، وعدم قدرة على أداء أشياء كثيرة في حياتك اليومية، وعدم الاستمتاع بالحياة؛ كل هذا يدل -كما ذكرت لك- على وجود حالة من الاكتئاب تحتاج إلى تدخلات، سواء كانت تدخلات طبية أو نفسية سلوكية، والتي يمكن أن تساعدك على الخروج من هذه الحالة.

فإذا كان بالإمكان زيارة الطبيب فهي الخطوة الأولى، وأنا أنصحك -أختي الفاضلة- أن تقومي بزيارة الطبيب، سواء كان طبيبًا عامًا في البداية، لعمل تقييم للحالة وتشكين له من هذه الأعراض بشكل دقيق، وإذا كان هناك طبيب نفسي يكون خطوة أفضل؛ لأن الطبيب النفسي قد يكون أكثر خبرة في تقييم مثل هذه الحالات، واتخاذ الإجراءات المطلوبة من الناحية العلاجية.

أختي الفاضلة: لا تخافي من طرق أبواب العلاج؛ لأن هذه الحالة يمكن التخلص منها تمامًا، باتخاذ الخطوات العلاجية المناسبة، ومن أهم هذه الخطوات العلاجية -كما ذكرت لك- هو أن يتم التقييم السليم، وعمل الفحوصات المطلوبة، وعمل التقييم الطبي، وبالتالي تحديد ما إذا كانت هناك أسباب، سواء كانت أسباباً عضوية، أو نفسية، أو اجتماعية مصاحبة تساعد على استمرار مثل هذه الحالة أو الأعراض، وبالتالي وضع الخطة العلاجية، والتي قد تتضمن استخدام بعض الأدوية النفسية، وليس في هذا أي غضاضة.

كما يمكن أن يكون في الخطة العلاجية أيضًا استخدام بعض التدخلات النفسية، أو التدخلات الاجتماعية التي قد تساعد كثيرًا أيضًا على التخلص من هذه الأعراض، وقد يكون هناك أيضًا كثير من التدخلات الروحانية، التي يمكن أن تساعدك على الخروج من هذه الحالة، وأترك المجال للأخ الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، لإضافة أي إجابة في هذا المجال إذا كانت هناك إضافة.

أمَّا في ما يتعلق بالشكل العام للنصائح العامة، فلا بد لي من أن أنصحك بأن تحاولي أن تعيدي حياتك إلى طبيعتها من الناحية الحياتية اليومية، وذلك بأخذ قسط من الراحة، وكذلك ممارسة بعض الأنشطة في البيت أو خارج البيت، وممارسة الحياة الاجتماعية؛ فالحركة في حد ذاتها -أو النشاط الرياضي الجسماني- تساعد كثيرًا على التخلص من مثل هذه الأعراض.

وفي حالة عدم رغبتك أو عدم المقدرة على الوصول إلى الطبيب النفسي، أو استخدام العلاج النفسي؛ فبإمكانك الوصول إلى بعض التدخلات النفسية، مثل التدخل ما يسمى بـ "العلاج النفسي السلوكي" ويمكن أن يكون مثل هذا العلاج موجودًا في الإنترنت مجانًا، ويمكنك أن تحاولي هذا العلاج، الذي قد يساعدك كثيرًا على التخلص من الأفكار السلبية وتحويلها إلى أفكار إيجابية.

آمل أن يكون في هذا الإسهاب في الرد إجابة لك، وأتمنى لك الشفاء العاجل بإذن الله تعالى، بارك الله فيك.

____________________________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عمر آل طاهر، استشاري الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
____________________________________________________

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يصرف عنكِ كل سوء ومكروه، وأن يعجل لكِ بالعافية.

قرأنا رسالتكِ -ابنتنا الكريمة- كلمةً كلمةً، ونحن ندرك مدى المعاناة التي تعيشينها، ولكن نذكِّركِ أولًا أن كل مكروهٍ يصاب به الإنسان المسلم في هذه الحياة فهو ينطوي على خيراتٍ كثيرة، فما من محنةٍ إلَّا وفي جوفها منحة، فالله -سبحانه وتعالى- يُقدِّر المكروه على عبده المسلم لِحِكَمٍ عظيمة، فلا يُقدِّر شيئًا عبثًا، مع أنه -سبحانه وتعالى- أرحم بنا من أنفسنا، فكم من خيرٍ في مقدورٍ مكروه.

ومن أهم هذه الخيرات التي ينبغي أن تكون محل اهتمام وعناية منكِ، أن هذه الأقدار تدفع الإنسان دفعًا إلى التعلُّق بالله سبحانه وتعالى، وكثرة الاشتغال بذكره، وتعليق القلب به، وهذا في الحقيقة هو مفتاح السعادة الإنسانية.

لذا نأمل -أيتها البنت الكريمة- أن لا تغفلي عن هذا الجانب، واعلمي أن الله -سبحانه وتعالى- قد يُقدِّر على الإنسان قدرًا مكروهاً ويجعل له وقتًا وأمدًا ينتهي عنده، ولكنه لن ينتهي حتى يكسب الإنسان فيه خيراتٍ كثيرة ودرجاتٍ عظيمة، ويُكفِّر به سيئاتٍ كثيرة، فاحرصي ألَّا يفوتكِ هذا الخير.

أكثري من ذكر الله -سبحانه وتعالى- ودعائه بأن يذهب عنكِ المكروه، وأكثري من دعاء الله وأنتِ موقنة بأنه -سبحانه وتعالى- على كل شيءٍ قدير.

والذي نوصيكِ به -أيتها البنت الكريمة- هو الاشتغال بالرقية الشرعية، فالرقية الشرعية تنفع ممَّا نزل بالإنسان وممَّا لم ينزل به، ونحن نرى أن الوضع الذي تصفينه، وما تتعرضين له يُوحي بأنكِ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى هذه الرقية، وأفضل من يرقيكِ هو أنتِ نفسك، فأحسني الاعتماد على الله تعالى، وتيقني أنه على كل شيءٍ قدير، وأنه إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون.

أكثري من قراءة الفاتحة، وكرري ذلك كثيرًا، وقراءة آية الكرسي، وقراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، والآيات التي فيها ذكر السحر وإبطاله، والمعوذتين {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، وسورة الإخلاص وهي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.

اجمعي كل هذه الآيات وداومي على قراءتها، وانفثي في أثناء قراءتها وبعد قراءتها، وانفثي -أي أخرجي هواءً من فمكِ مصحوبًا بقليلٍ من الريق- انفثي في هذا الماء، واشربي منه، واغتسلي ببعضه، وداومي على هذا، ولا تَملِّي ولا تيأسي، أكثري جدًّا، وإذا استطعتِ أن تقرئي سورة البقرة كاملةً مراتٍ عديدة في ماءٍ، وتفعلي به هذا؛ فإن هذا ينفعكِ بإذن الله تعالى.

ويجوز لكِ أن تستعيني بمن يُحسن الرقية الشرعية، من الثقات الذين عُرفوا بالتدين الصحيح والاتباع للسنة، واحذري الدجالين والمشعوذين والكذابين؛ فإنهم لن يزيدوكِ إلَّا مرضًا، يجوز لكِ أن تستعيني بمن يحسن هذه الرقية، ومع ذلك لا نشك أن رقيتكِ لنفسكِ ودعاءكِ لنفسكِ أقرب إلى القبول؛ لأن صاحب الحاجة قلبه مقبل على الله تعالى أكثر من غيره.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصرف عنكِ كل سوءٍ ومكروه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً