الخطبة الأولى
الحمد لله الملك الحق المبين، العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، أحصى على عباده أعمالهم، وكتب آثارهم، وسيجمعهم ليوم لا ريب فيه ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، حذر أمته من الغفلة عن يوم اللقاء، وذكّرهم بالوقوف بين يدي الله للحساب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]
أما بعد؛
عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستحضروا ذلك الموقف العظيم الذي لا بد لكل واحدٍ منا أن يقفه، موقف الوقوف بين يدي الله للحساب، يوم تُعرض الأعمال، وتُكشف السرائر، وتظهر الخفايا، يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال الله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]. إنه قيام ذلٍّ وخضوع، قيام افتقار وانكسار، لا ينفع فيه جاهٌ ولا سلطان، ولا يدفع فيه قريبٌ عن قريب.
الوقوف بين يدي الله حقيقة لا مفر منها، ولا مهرب منها، قال الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. سؤال عن العقيدة، وسؤال عن العمل، وسؤال عن العمر، وسؤال عن المال، وسؤال عن النعم، فكل نعمةٍ سيسأل العبد عنها، قال سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8]. فهل أعددنا جوابًا؟ وهل هيأنا أنفسنا لذلك السؤال؟ إن من أعظم ما يهون هذا الموقف أو يعظمه: حال العبد في الدنيا، فمن عاش مراقبًا لربه سبحانه، محاسبًا لنفسه، مستعدًا للقاء؛ خف حسابه وسَهُل وقوفه، ومن عاش غافلًا لاهيًا، متبعًا لشهواته، مستهينًا بأوامر ربه؛ اشتد عليه الحساب، وطال وقوفه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب عُذِّب) رواه البخاري. فالمناقشة الدقيقة في الحساب شديدة، وإنما النجاة في الحساب اليسير الذي يكون برحمة الله تعالى.
عباد الله: تأملوا ذلك المشهد حين يخلو الله بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، ويقول له: فعلت كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب، حتى إذا ظن أنه هلك، قال الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. هذا من فضل الله على عباده المؤمنين، كما جاء في الحديث: (يدني الله المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره…) رواه البخاري. فسبحان من ستر في الدنيا وغفر في الآخرة لمن تاب وأناب. وأما الكافر والمنافق، فيُفضح على رؤوس الخلائق، ويُشهَر بذنوبه، وتقوم عليه الشهود، وتنطق جوارحه، ويُعطى كتابه بشماله، فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه. قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 25]. إنه ندم لا ينفع، وحسرة لا تجدي.
أيها المؤمنون: إن من أعظم ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة صلاته، بل هي أول باب يُفتح من أبواب المحاسبة، وأول ميزانٍ توزن به أعماله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر) رواه الترمذي.
فالصلاة هي الأصل الذي تقوم به الأعمال، والأساس الذي يقوم عليه البنيان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة) رواه الترمذي. فهي عمود الدين الذي لا يقوم إلا به، فإذا سقط العمود سقط البناء كله.
تأملوا في هذا المشهد العظيم يوم القيامة، يوم يقف العبد بين يدي الله عز وجل، فيُسأل أول ما يُسأل عن صلاته، قبل ماله، وقبل صيامه، وقبل حجه، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي العهد الذي بينه وبين مولاه، قال صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) رواه الترمذي.
وهي علامة الإيمان، وبرهان الصدق، نورٌ في الوجه، ونورٌ في القلب، ونورٌ في القبر، ونورٌ على الصراط؛ إن صلحت الصلاة صلح سائر العمل، ومن حافظ عليها فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، لأن الصلاة تغرس في القلب مراقبة الله، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [سورة العنكبوت: 45]. فإذا استقامت صلاة العبد استقام قلبه، وإذا استقام قلبه استقامت جوارحه.
أيها المؤمنون: ومن رحمة الله أن الله جعلها سبباً لتلافي التقصير والتفريط، فإن وجد نقص قال الله لملائكته كما في الحديث: (انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل بها ما انتقص من الفريضة) رواه أبو داود. فدل ذلك على عظم شأنها، وأنها الميزان الأول، وأن صلاحها سبب النجاة، وفسادها سبب الخيبة والخسران. فيا من يريد أن يخف حسابه، ويا من يرجو النجاة يوم الفزع الأكبر، أصلح صلاتك، وأقبل عليها بقلبك قبل جسدك، وأدها بخشوعٍ وخضوع، فإنها مفتاح الفلاح، وعنوان النجاح، وزادك الحقيقي ليوم المعاد، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}. فمن أراد الفلاح فليحافظ على صلاته، ومن أراد النجاة فليحسن صلاته، فإنها أول ما يُنظر فيه، وأول ما يُقضى فيه، وبها يكون الفوز أو الخسران.
عباد الله: ويُسأل العبد كذلك عن حقوق العباد، فإن المظالم يوم القيامة خطيرة، تؤخذ من حسنات الظالم، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار) رواه مسلم. فليحذر كل واحدٍ منا أن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد ظلم هذا، وأكل مال هذا، واعتدى على هذا.
أيها المسلمون: إن استحضار هذا الموقف العظيم يدفع المؤمن إلى محاسبة نفسه قبل الحساب، والتوبة قبل أن يُحال بينه وبينها، ورد المظالم قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار. قال الله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89]. وإن الوقوف بين يدي الله للحساب موقف طويل، تدنو فيه الشمس من الرؤوس، ويبلغ الناس من الكرب ما لا يطيقون، ويبحثون عن الشفاعة، فيأتون الأنبياء واحدًا بعد واحد، حتى يأتوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيشفع بإذن الله تعالى، كما جاء في حديث الشفاعة العظيم الذي رواه البخاري. فليكن لنا نصيب من شفاعته باتباع سنته، والتمسك بهديه.
عباد الله: إن النجاة في ذلك اليوم ليست بالأماني، ولا بالدعاوى، وإنما بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتوبة النصوح، والصدق مع الله في السر والعلن؛ فليُعد كل واحدٍ منا للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا، وللصواب إخلاصًا، فإن الموقف عظيم، والخطب جسيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الوقوف بين يديه حقًا لا مفر منه، وأمرنا بالاستعداد له قبل قدومه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
فيا عباد الله، إن الوقوف بين يدي الله للحساب موقفٌ عظيم، لا بد لكل عبدٍ أن يقفه، وأنه يُسأل عن عقيدته وأعماله ونِعَم الله عليه، وحقوق العباد، والحساب قد يكون يسيرًا برحمة الله، وقد يكون شديدًا على من غفل وأعرض، وأول ما يُحاسب عليه العبد صلاته، والمظالم من أعظم أسباب الشقاء يوم القيامة، والنجاة تكون بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتوبة النصوح؛ فاتقوا الله عباد الله، واستعدوا لذلك اليوم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن عليكم، وردوا الحقوق إلى أهلها، وأكثروا من الاستغفار، وأصلحوا سرائركم، فإن من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقالات

