تتكوّن هويّة الأمم من نماذجها التي تقود الوعي، وتوجّه السلوك، وتحدد الاختيارات، فالأب قدوة في الأسرة، والبطل رمز في التاريخ، والوطن نموذج في الانتماء السياسي، والدين مرجع في التفسير الوجودي والأخلاقي.
غير أنّ النموذج الثقافي يظل عاملاً مؤثراً، وشديد الحساسية بالنسبة للأمة كلها، فهو الذي يوجّه اختيارها، ويرسم ملامحها الشخصية، ويحدد هوية المجتمع، ويشكّل مركزَ الثقل الذي تستند إليه الأمم في تموضعها بين أمم الأرض.
ومن هنا فإن الاعتزاز بالثقافة الإسلامية ليس مجرد عاطفة أو شعور بالانتماء، وإنما يمثل موقفًا حضاريًّا متكاملًا؛ يحدد الذات في مقابل الآخر، ويرسم خارطة التفاعل مع العالم.
نحن نمتلك ثقافة عريقة، وخاصة، يجب الاعتزاز بها، والانتماء إليها، فهي التي تكون نواة مجتمع الإسلام بغض النظر عن جغرافية المكان، واختلاف الأزمان.
يقول الدكتور محمد عمارة – رحمه الله تعالى- : "الإسلام هو المكون لذاتيتنا الثقافية، والمحدد لمعالم نموذجنا الثقافي، وتميزنا عن الآخر قائم فقط حيث يكون التميز والافتراق؛ الأمر الذي يجعل علاقة نموذجنا الثقافي -الذات الثقافية- بالآخر هي علاقة "التميز والتفاعل"، التي هي وسط، عدل، متوازن بين غلوَّين: غلو الإفراط، الذي يرى هذه العلاقة علاقة "قطيعة وتضاد"، وغلو التفريط، الذي يراها علاقة "مماثلة ومحاكاة"، فكما تميز البصمة الإنسان عن بني جنسه، مع اشتراكه معهم في جنس الإنسان، كذلك تتميز الذات الثقافية للأمة عن الذوات الثقافية الأخرى، بتميز النماذج التي يجمع كل منها معالم المغايرة، والسمات الفارقة لنموذج ثقافي عن سواه، وذلك دون إنكار أو إغفال لميادين الاشتراك الإنساني في كثير من حقائق وقوانين الكثير من التجارب والخبرات والعلوم والفنون".
الثقافة الإسلامية حين بزغ فجرها في القرن السابع للميلاد، لم تكن مجرد منظومة شعائر تعبدية فقط، وإنما كانت نموذجًا حضاريًا شاملاً، يقوم على تحرير الإنسان من الأمية، والجهل، والضياع العقدي، ويؤسس لبناء مجتمع جديد يقوم على العلم، والمسؤولية، والقيم.
فالمسلم الأول حين اختار الانتماء إلى الإسلام، اختار نموذجًا ثقافيًا يحدد رؤيته للعالم، ويغيّر اختياراته في الحياة، ويوجه قراراته ومعاييره في المعرفة والقيم.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح الإسلام نموذجًا لصناعة الإنسان المتزن الذي يوازن بين الروح، والعقل، بين المادة، والمعنى، بين الحقوق والواجبات، وبين حرية الفرد ومسؤولية الجماعة، ومن هنا انطلقت الحضارة الإسلامية لتقدّم نموذجًا جديدًا تجاوز الثنائية التي عرفتها الحضارات السابقة بين حضور العقيدة، وانطفاء العقل أو العكس؛ فكان العلم فريضة، والقراءة مفتاح النهضة، والتفكير عبادة، والبحث في الكون طريقًا للإيمان.
ولدت الثقافة الإسلامية مستقلة، ومنفتحة على الآخر من غير تبعية، ولا ذوبان، يقول المفكر الإسلامي محمد عمارة: "المسلمون انفتحوا على الحضارة الهندية، لكنهم أخذوا عن الهنود الفلك والحساب، دون الفلسفات والثقافات، وكذلك صنعوا في انفتاحهم على الفرس، عندما أخذوا عنهم التراتيب الإدارية، ورفضوا مذاهبهم الفلسفية، وعقائدهم الدينية، وعن الرومان البيزنطيين أخذوا تدوين الدواوين، ولم يأخذوا القانون، وكذلك الحال في الانفتاح على تراث الإغريق، فلقد أخذ المسلمون العلوم التجريبية التطبيقية المحايدة، وأهملوا النظر في إلهيات اليونان، بل أهملوا النظر في الآداب الإغريقية لما حملت من أساطير وثنيتهم؛ ولما جسدت من روح الوثنية في ذلك التراث، وذات القانون نراه فاعلاً إبان انفتاح النهضة الأوروبية على تراثنا الإسلامي، فلقد أخذوا العلوم التجريبية، التي طورها المسلمون، وأخذوا إبداع أسلافنا في المنهج التجريبي، والملاحظة والاستقراء، وهو الذي فتح به المسلمون باب التجاوز للقياس الأرسطي، لكنهم - الأوروبيين - لم يأخذوا نموذجنا الثقافي الإسلامي، بل أحيوا النموذج الإغريقي مع استلهامهم من تراثنا العلوم الطبيعية والمنهج التجريبي، فنهضوا كامتداد متطور للإغريق والرومان، ولم يقفوا من نموذجنا الثقافي الإسلامي موقف المحاكاة".
لقد راعت الثقافة الإسلامية حقائق محددة منها: أن الله تعالى جعل البشرية شعوبًا، وقبائل، تتنوع في اللغات، والثقافات، والمناهج، حتى يتحقق التنافس الإيجابي والتعارف الحضاري، وهذا المفهوم الإسلامي يقدّم رؤية متوازنة للعلاقة بين الذات والآخر: فالاختلاف سنة ربانية، والتعارف مقصد إنساني، والتعاون سبيل النهوض المشترك.
لكن في الوقت نفسه، لا يُعرّف الإنسان، ولا الأمة بذوبانهما في الآخر، بل بخصوصيتهما الحضارية، والقيمية التي تميز الذات عن غيرها، ومن هنا فإن الثقافة الإسلامية لا تغلق أبوابها أمام العلم، أو الحكمة، أو المعرفة، بل تستقبل من الإنسانية ما يتفق مع قيمها السمحة، وتدمجه ضمن منظومتها الكونية دون أن تفقد هويتها.
لقد استفاد المسلمون عبر التاريخ من علوم فارس واليونان والهند، ثم أعادوا إنتاجها ضمن إطار إيماني يعيد للعقل وظيفته، وللروح قيمتها، وللمعرفة قدسيتها.
واقعنا المعاصر هو واقع احتكاك مباشر مع النموذج الغربي، بما يحمله من مناهج وقيم وأفكار، وهي مواجهة ثقافية وحضارية في المقام الأول؛ ذلك أنّ النموذج الغربي يسعى لفرض تصوّره للإنسان والعالم والمعرفة باعتباره النموذج الوحيد القابل للتطبيق الكوني، بينما تمتلك الأمة الإسلامية نموذجها الحضاري الخاص الذي أثبت عبر التاريخ قدرة كبيرة على العطاء والإضافة.
ولا تعني المواجهة الثقافية رفض كل ما يأتي من الغرب، فالمشترك الإنساني واسع في العلوم التطبيقية والمعارف التجريبية والمكتشفات العلمية، ولكن الاختلاف الأساسي يكمن في رؤية الإنسان وقيمة الأخلاق، ودور الإيمان.
فالنموذج الإسلامي يرى الإنسان خليفة في الأرض لا كائنًا ماديًا معزولًا عن القيم، ويرى المعرفة طريقًا للترقي الروحي، وليس مجرد وسيلة للسيطرة، ويرى الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا، ويرى العدالة قيمة حاكمة قبل أن تكون مصلحة سياسية.
صفوة القول: الاعتزاز بالثقافة الإسلامية هو بداية النهضة الثقافية والحضارية؛ لأن الأمم لا تنهض إلا حين تعرف نفسها، وتحدد هويتها، وتدرك رسالتها بين الأمم. وإذا كان النموذج الثقافي هو الذي يوجه الإنسان في كل اختياراته، فإن اختيار النموذج الإسلامي، والوعي بتفوقه الأخلاقي، والإنساني هو الخطوة الأولى لاستعادة الموقع الطبيعي للحضارة الإسلامية في التاريخ الحديث والمعاصر.
المقالات

