الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سؤال أهل الكتاب بين الأمر والنهي

سؤال أهل الكتاب بين الأمر والنهي

 سؤال أهل الكتاب بين الأمر والنهي
جعل الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، وجعل القرآن الذي أنزله عليه خاتم الكتب وأشملها وأعظمها وأكملها، فجمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات، ما ليس في غيره، وجعل الدين الذي جاء به كاملًا لا نقص فيه، فلا يحتاج في شريعته لسؤال أحد عن شيء من دينه.
ومع هذا نجد أن الله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بسؤال أهل الكتاب فقال: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] وهذا يتعارض ظاهره مع ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه أصحابه رضي الله عنهم؛ حيث قال: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعني) رواه أحمد.
وقد عمل العلماء على الجمع بين الآية والحديث بما يدفع هذا التعارض الظاهري، ويحقق الجمع بين الآية والحديث وذلك من عدة وجوه كما يأتي:
أولًا: أن الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره من الشاكين. قال ابن عطية: "والصواب في معنى الآية أنها مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك أو يعارض" وهذا قول أكثر المفسرين.
ثانيًا: أن الخطاب موجه للشاكين برسالة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، يأمرهم الله تعالى بسؤال أهل الكتاب، قالوا إن الضمير في قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ} للمفرد والمراد به العموم، أي جنس الإنسان، وعليه يكون معنى الآية: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فاسأل أهل الكتاب عن صحة نبوته وصدقه؛ لأن ذلك مكتوب في التوراة والإنجيل، قال ابن كثير في ذلك: "وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم، أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة، التي بأيدي أهل الكتاب كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]".
ثالثًا: قالوا عن المراد بسؤال أهل الكتاب أي الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار وغيرهم؛ سؤالهم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل؛ لتأكيد العلم بصحة القرآن، وصدق النبوة.
رابعًا: قالوا إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال أهل الكتاب إنما هو في الشرائع والأحكام، أي لا تسألوهم عن شرعهم فيما لا نعلمه من شرعنا لنعمل به، ففي شرعنا كفاية، وما لم يذكر في شرعنا ففي النظر والقياس دليل إليه، إضافة لما عرف عن أهل الكتاب من التحريف والتضليل. قال ابن عباس: "يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم"، رواه البخاري.
وعلى هذا يكون المراد بسؤال أهل الكتاب أي عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة في كتبهم، والبشارة به لدفع الشك والمعارضة، ويكون نهيه صلى الله عليه وسلم عن سؤالهم أي عن الأحكام والتشريعات أن نأخذها عنهم لنعمل بها؛ لأنهم بدلوا شرائعهم وأحكام دينهم. بهذا يُجمع بين أمر القرآن بسؤال أهل الكتاب، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن سؤالهم، والله أعلم.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة